سالم اليامي

استثمار اللحظة الإستراتيجية

إعلان الجمعة من البيت الأبيض لم يكن كغيرة من الإعلانات، أو الخطابات الرئاسية التي تخرج من الإدارة الأمريكية، ويتلقفها العالم بالتحليل، والتفسير والنقد. في الحقيقة إن هذا الفعل يختزل حالة سياسية عامة، فهمها يتطلب العودة الى محطات معينة:أولها الفترة الثانية من رئاسة الديمقراطيين التي أدارها الرئيس باراك أوباما، وكانت لها رؤيتها الخاصة بما يدور في العالم وفي منطقتنا، وبين دولنا العربية، والخليجية من جهة وبين إيران من جهة أخرى. أيا كان اسم تلك المرحلة أو الإستراتيجية، وأياً كان تحققها متأتيا من نجاح سياسي، ودبلوماسي إيراني -كما يرى البعض- أقنع اللاعب الدولي الكبير برؤيته لتقاسم الأمن والسياسة والمصالح في المنطقة بطريقة «باردة» كما قال الرئيس الأمريكي السابق، الذي ختم فترة حكمه وبطريقة فيها كثير من الاستعجال بإنجاز الاتفاق النووي مع الجانب الايراني الذي انهالت تبعاته السلبية على منطقتنا بشكل لا يحتاج توضيحا. حتى وصلت الأمور إلى أن تتحدث القيادة في المملكة بأن السلوك الإيراني يعد حرباً على المنطقة، ودولها، وأن الكرة سترد لإيران حرباً إذا ما ساءت الأمور.هذا المشهد الاحترابي بدأت عناصر التغيير تدب فيه مع قدوم إدارة ترامب، الذي أظهر ميلاً ناقدا للسلوكيات السلبية لإيران منذ الحملة الانتخابية وفي كل خطاباته تقريبا حتى ما كان منها على منصة الأمم المتحدة، وكانت بلورة المشهد لملء ذلك الفراغ في التفهم، ولإقناع اللاعب الكبير بوجهة نظر جديدة هي وجهة النظر الخليجية العربية، والتي كان أفضل مكان تعرض فيها الرياض حقيقة معاناة المنطقة من إيران في قمة إسلامية عربية أمريكية غابت عنها بشكل متعمد إيران، ووصفت إيران وبشكل مباشر بأنها طرف يرعى، ويمول الإرهاب الدولي.الاستراتيجية أصبحت حقيقة اليوم وموقف دولة عظمى وحتى إن قيل إنها لمجرد مراجعة الاتفاق او خلافه فهذه إشارة تدعمها حالة الغضب الكبرى الامريكية من نظام الثورة في ايران. ومع كل ذلك تبقى الاسئلة المهمة، على نحو:- هل صممت هذه الإسترتيجية لتحمي دول المنطقة من التغول والتوسع والهيمنة الايرانية، أم هي لتحقيق مصالح أمريكية خالصة تتوازى مع مصالح للحلفاء العرب والخليجيين؟ والأهم كيف ستُستثمر هذه الفرصة الاستراتيجية وخلال الفترة الرئاسية لصاحب الاستراتيجية التي بقي فيها نحو الثلاثة الأعوام؟ هل حان الوقت لأهل المنطقة أن تكون نقطة البداية وقشرتها الصلبة نابعة منهم، ويقوونها بالتعاون مع الحلفاء في أمريكا وفي أوروبا وروسيا وغيرها من القوى العالمية.ربما إن هذا هو المسار الوحيد الذي يمكن أن يجنب المنطقة الأخطار في مواجهة القوة الايرانية، وتقلبات الاستراتيجيات الدولية التي لا تستقر، وإن استقرت فإنها لا تدوم طويلاً.ولا يدوم للدول والشعوب إلا الفعل التاريخي، وهو كما تحتمه الظروف اليوم اعلان نواة الاتحاد الخليجي بمن هو مستعد، عبر توحيد مسارات الأمن، والدفاع، والعلاقات الخارجية، والانطلاق في صناعة الامن من الداخل، بقدر المستطاع. ولعل قمة الكويت القادمة تكون المنبر المناسب لانجاز هذه التطور النوعي الذي طال انتظاره.