محمد البكر

عندما يبكي البسطاء

لعل البعض منكم قد شاهد عاملًا بسيطًا يبكي كفيله بعد موته، مشهد تقشعر له الأبدان. فعندما يبكي البسطاء، فإنهم شهود على إنسانية ذلك الكفيل ورقي تعامله.قبل أيام كنتُ متوجهًا للمشاركة في الصلاة على المرحوم «بإذن الله» العم عبدالمحسن المطلق، أحد وجهاء مدينة الخبر المشهود له بعاطفته الجياشة، وحرصه على أدبيات التعامل مع مَن يعملون في شركاته.في الجامع، لفت نظري بعض العمال، وهم يبكون بحُرقة وألم ويواسون بعضهم، وكأن المتوفي أحد أقاربهم. وفي المقبرة تكرّر المشهد منهم، وإن كان بعيدًا عن أعين المعزين. كان المشهد مهيبًا وهم يذرفون الدموع بكل ما تعنيه وتعبّر عنه. نظراتهم الأخيرة على قبر الفقيد كانت مؤثرة لكل مَن تابع المشاهد العفوية منهم. لم تختلف تلك المشاعر بين عامل يمني وآخر آسيوي أو سوداني، فكلهم عبَّروا بدموعهم عن حرقة فراق مَن عاملهم بكل إنسانية ورقيّ.كنتُ أفكر فيما قدّمه العم عبدالمحسن لمجتمعه ومدينته.. كنتُ أبحث عن مساهماته في تنمية وطنه كي أضيفها لما أعرفه من أعمال جليلة.. ولكنني دائمًا كنتُ أتذكر حرصه «رحمه الله» على عدم إعلان ما يقدّمه من مساهمات علمية وخيرية واجتماعية، ولذلك لم يكن من الأدب أن أتطرّق لها بعد رحيله.لعلنا نأخذ العبرة من دموع أولئك البسطاء، فما هي إلا صحيفتنا نملؤها بما نشاء، فإن أحسنَّا التعامل مع الآخرين، واحترمنا حقوقهم، وسهَّلنا حياتهم، وساهمنا في إسعاد أسرهم، فإن الله لن يضيع عملنا، وإن كان العكس فسيقتص لهم منا رب العالمين.لقد مرَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- وجبت وجبت، ثم مرّ بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًّا فقال وجبت وجبت، ثم قيل له ما وجبت وجبت، قال الأول أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنّة، والثاني أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه.رحم الله العم «أبو بدر».. ولكم تحياتي.