فهد السلمان

حين يُستخدم الماضي في موضع المستقبل!

(أحيانًا) وهي أحيان كثيرة للأسف، أشعر أن ارتباطنا بالماضي أكثر من ارتباطنا بالمستقبل، وهي ــ في تقديري ــ إشكالية ثقافية فكرية كبرى، أعتقد أنها لم تأخذ حظها من الدراسة والمناقشة باستثناء ما تناوله المفكر العربي المغاربي الكبير محمد عابد الجابري في بنية العقل العربي. لماذا نتمسك بالماضي ونعض عليه بالنواجذ، فيما تبقى الريبة والخوف والقلق هي مرادفات المستقبل؟، هل لأن المستقبل يتأسس على الحاضر، ويستلهم كينونته منه، وبما أننا نعيش حاضرا كابوسيا على مستوى الأمة، لذلك نضطر لاستدعاء الماضي لنلوذ به عن تضعضع حاضرنا وسديمية الرؤية لمستقبلنا؟، كثيرون يعتقدون هذا، ويسرف البعض الآخر ليزعم أن صورة المستقبل في الذهن العربي ليستْ صورة سديمية وحسب، وإنما هي صورة خارج الإطار، وخارج نطاق عدسة الرؤية، بمعنى آخر أن الخطو العربي هو أشبه ما يكون في سياق هذه الأزمات، وهذا التشظي، وهذه الاختراقات القاتلة كعربة هرمة بلا مكابح تندفع بلا هوادة من ربوة عالية باتجاه وادٍ سحيق، ولا يعرف ركابها ما إذا كانت قوة الدفع المدمرة والمتهورة ستطرحهم مع مركبتهم في قعر الوادي، أم أنها ستحظى بلطف الله لتقف قبل أن تصل إلى الحافة، أي أن الرهان لا ينبني إلا على لطف الله وليس على أي نشاط أو خطط إنقاذ فاعلة، بدليل أنه حتى العدو التقليدي المتمثل في الاحتلال الصهيوني، أصبح مجرد وجهة نظر، بعدما بات من الواضح أنه يتدخل في ترتيب أوراق المنطقة، ومن يبقى، ومن يرحل، كدعم بقاء الرئيس السوري، وعدم السماح للثورة السورية أن تبلغ مداها، طبعًا إلى جانب الشكل السياسي للعراق، وهكذا. هذا المأزق الذي تبدلتْ معه القناعات، أو على الأقل تزحزحتْ عن مواقعها، شوّش بالنتيجة على طريقة رؤيتنا للمستقبل على مستوى الأمة، وأعتم عين الذاكرة العربية بحيث لم تعد ترى شكل المستقبل، حتى ولا من خلال أحلام اليقظة، لأن تراكم المصائب، ثم نمو فطريات قيادية طارئة تبحث عن ذاتها وحسب، ثم انعدام عمل البوصلة الجماعية ولو بالحد الأدنى، كل هذا دفع باتجاه استدعاء الماضي للاستشفاء به من علل الحاضر، وبالتالي استخدامه كمستقبل بديل بأثر رجعي، وهذه هي الطامة.