الفضول الممتع والمفيد
إذا أردت أن تتعلم فاقرأ، ولكن إذا أردت أن تبدع، فلا تتوقف عن التساؤل والفضول العلمي والمعرفي. وقد جاء في الأثر «العلم خزائن ومفتاحه السؤال، فاسألوا».عبر التاريخ قادت تساؤلات بسيطة إلى فتوحات علمية كبيرة، بل بعضها أدى إلى فهم فلسفي للحياة بشكل أعمق وأفضل. منها مثلا لماذا السماء زرقاء؟. لماذا الأشياء تسقط إلى أسفل وليس إلى أعلى؟ لماذا الأرض كروية وليست مربعا أو مستطيلا أو مثلثا؟ هل الكون ينكمش أم يتسع؟! هل الزمن نسبي؟ وغيرها من التساؤلات. إن معظم قصص الاختراعات والنظريات والاكتشافات في الغالب تبدأ بفضول ثم تتبعه رحلة المتعة والعشق للهواية سواء أكانت رياضية فيزيائية أم تجارب معملية أم البحث في أسرار الكون والطبيعة، كلها تقود إلى الإجابات عن التساؤلات. إنه أيها القارئ الكريم الفضول المحمود والمتعة بين يدي العلم.يقول أينشتاين عن نفسه: إنه كان كثيرا ما يسرح ويفكر منذ كان عمره 16 سنة عن قضية ما الذي سوف يحدث لو امتطيت حزمة من الضوء؟ ماذا سيحدث للزمان والمكان؟ هل سيتوقف الزمن أم ينحني الفضاء؟. ولعل الكثير منا يتذكر قصة نيوتن والتفاحة والجاذبية، فكلها بدأت بتساؤلات مثل: لماذا وكيف.وخذ مثلا آخر وهو للعالم الفيزيائي ريتشارد فاينمان، فقد اشترك وهو في العشرين من عمره لعبقرتيه الفذة في مشروع «منهاتن» من أجل صناعة أول قنبلة ذرية. ولكنه بعد ذلك المشروع خفت حماسه والسبب أنه فقد الفضول والمتعة، وأصبح العمل بالنسبة له روتينيا وإلزاميا وليس من أجل إشباع الفضول.ولكن بعد فترة عادت له روح الفضول والمتعة، وعاد عقله ليشع من جديد والسبب ربما كان للبعض منا تافها وبسيطا. فقد رأى خلال فترة الغداء في الجامعة (حيث كان دكتورا ومحاضرا) أحد الطلاب يلعب بطبق الغداء ويرميه بشكل دائري ويتأرجح في الهواء، فتساءل مع نفسه لماذا تأرجح الطبق بهذه الطريقة؟ (الخطوة الأولى: التساؤل) ففكر أن يصيغ معدلات ورسومات من باب المتعة والفضول ولذلك سمى النظرية «العبث بالطبق المتأرجح». وكان فاينمان يقول: لطالما استمتعت بالفيزياء لأني كنت ألهو بها!! (الخطوة الثانية: المتعة) وفعلا نتج عن ذلك معدلات رياضية مهمة وإسهامات في «الكهروديناميكا الكمية»، حصل بسببها على جائزة نوبل للفيزياء، فهل نفكر كذلك عندما نلتهم الكبسة ونُتبعها باللبن؟! وعلى الجانب المقابل لو أشغل الواحد منا نفسه بهذا الفضول الممتع المحمود لقل الفضول المذموم (اللقافة) في أمور أخرى غير محمودة مثل التجمع في الطرقات بأشكالها بسبب وبدون سبب. وكذلك لقلت الأوقات المهدرة في التصوير عن طريق الانستقرام لكل شيء وأي شيء يتحرك أو ثابت فوق الأرض وتحت السماء!. وهو خير من كثرة القيل والقال على السناب شات، وخير من الكلام في توتير عن فلان وفلانة، وهو ولا شك خير من اللمز والبحث عن الفضائح والخوض في أعراض الناس وخصوصياتهم. وكل ذلك داخل في عموم الحديث الشريف: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».إننا نبحث عن الفضول الممتع والمفيد في مواهبنا. وكل إنسان في داخله عبقري محبوس في قمقم، ومهمتنا إخراج ذلك العبقري ليسعد ويُسعد.