من وراء الكواليس
المراقب يتوقف طويلًا أمام ضخامة الأحداث والتحولات التي يشهدها العالم في الآونة الأخيرة، وقد تلمع في ذهنه نظرية المؤامرة التي يتفادى الحديث عنها الكثير من المفكرين؛ خشية اتهامهم بالسذاجة، ولكن نظرية المؤامرة تظل تشرق من حين إلى حين في كتابات الكثيرين، وتساندها الأحداث التي تجري هنا وهناك يومًا بعد يوم، ففي اليوم الذي وقع فيه الهجوم بالأسلحة الكيميائية على مدينة (خان شيخون) وأودى بحياة العشرات من الأطفال والنساء والمدنيين العزل، أدانت معظم دول العالم هذا الهجوم الوحشي، الذي يعتبر ثاني أكبر هجوم كيماوي في سوريا بعد هجمات غوطتي دمشق في عام 2013 م، وعلى إثر ذلك قامت الولايات المتحدة بقصف قاعدة (الشعيرات) الجوية بصواريخ كروز نوع (توماهوك)، ولكن بعدها بيوم واحد فقط، حدثت أعنف هزة سياسية حركت المياه الراكدة في عملية السلام الحائرة، فقد أعلنت روسيا - لأول مرة خلافا لموقفها المعلن منذ عام 1967م - عن قبول أن تكون القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، وانها تدرس الاعتراف بذلك، وهذا الاعلان فاجأ العالم بأسره، بل وفاجأ الإسرائيليين أنفسهم، حيث إنه لم يسبق لأي دولة أن اعترفت رسميا بأي جزء من مدينة القدس عاصمة لإسرائيل.لعبة السياسة بالدرجة الأولى هي استثمار الفرص، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو كيف يقدم الروس على هذا الاعتراف الذي يتزامن مع الهجوم السوري الكيماوي على خان شيخون؟!.. فهل هو مجرد وسيلة للسيطرة على ردود الأفعال العالمية غير المرغوب فيها وامتصاص الغضب العالمي واستثمار الفرص؟! أم هو محاولة روسية لابرام صفقة روسية أمريكية اسرائيلية تفوح منها روائح المؤامرات وتنطوي على غض النظر الغربي عن أعمال الروس والجيش السوري في سوريا مقابل الموافقة الروسية على أن تكون القدس الغربية عاصمة لإسرائيل؟ أم ان روسيا أمام نقطة ضعف جوهرية ومأزق حاد ارادت الخروج منه بهذا الاعلان؟تلك مسألة، والمسألة الأخرى هي انه في اليوم الذي كانت فيه القوات الأمريكية تقصف قاعدة (الشعيرات) السورية كان الرئيس الأمريكي ترامب يجتمع مع الرئيس الصيني (شي جين بينغ) في ولاية فلوريدا الأمريكية، وطالبه بالضغط على كوريا الشمالية من أجل كبح برنامجها النووي، والمثير للدهشة هو أنه بعد اجتماعهما مباشرة انطلقت مجموعة هجومية تابعة للبحرية الأمريكية تضم حاملة طائرات الى غرب المحيط الهادي قرب شبه الجزيرة الكورية. هنا اتساءل هل تم ادخال الشرق من اقصاه إلى ادناه في معمعة الصفقات بين الدول العظمى؟ وهل هي بالفعل مؤامرة لتقسيم النفوذ العالمي بين الكبار؟ وهل هناك شرق جديد يجري اعداده من وراء الكواليس؟ وهل تم تقسيم الغنائم بينهم ليصبح البحر الأبيض المتوسط من نصيب الروس وبحار الشرق الأدنى من نصيب الصينيين والأمريكان؟!