الجدار الأفغاني
في رواية سفيتلانا أليكسييفيتش (فتيان الزنك)، لفتت انتباهي فقرة قصيرة قد يمرُ بها بعض القراء دون ملاحظة ما يستدعي تباطؤهم للحظة، ناهيك عن التوقف لوقت طويل عندها. في تلك الفقرة، يروي مستشار عسكري قائلاً: «احترق مبنى المدرسة ولم يبق سوى جدار واحد. وفي كل صباح يأتي الأطفال إليه لتلقِّي الدروس وليكتبوا عليه عباراتٍ ما بقطع الفحم المتبقية بعد الحريق. وبعد الدروس يُطلى الــ[ج]دار بالجص فيصبح أبيض. ويغدو مجدداً مثل صفحة ورق بيضاء» (66-67).أجبرني ذلك الجدار، المدرسة، الذي أسميه «الأفغاني»، على التوقف للتأمل فيما طفق يتحول في المخيلة إلى مشهد يختزل فيه المأساة الأفغانية، أو هكذا أعتقد، وفي التداعيات التي انبجست تيارا خفيفا من الذاكرة. لم أتفاجأ حين طفا إلى سطح الذاكرة فيلم «الجدار» لفرقة (بِنْك فلويد) لِتُقْبِل أصواتُ كورال الأطفال الصادحة بتناغم جميل:(هيه..يا معلم..اتركنا نحن الأطفال لوحدنا/ على العموم، أنت مجرد طوبة أخرى في الجدار). في أفغانستان كان الوضعُ مختلفا أثناء (الحرب الأفغانية-السوفييتية)، فالأطفالُ لم يكونوا في حاجةٍ إلى أن يطلبوا أن يتركوا لوحدِهم حتى لو كان بين المعلمين من «يَصُبُّ» سُخْرِيَتَه على كلِّ شىءٍّ يفعلونه كما تقول الأغنية. كما لم يكن أي طفل أفغاني في حاجةٍ إلى أن يَحلُمَ في اليَقَظَةِ أن تجتاحَ الفصلَ نوبة غضب عارمة فيحطمون المناضد والكراسي ويشعلون حريقاً في المدرسة، لأن الأطراف المتحاربة تكفلت بالإحراق والتدمير. في أفغانستان، يحتاج الأطفال إلى المعلمين ليكونوا في انتظارهم عند الجدار، ما تبقى مما كانت مدرسة ذات يوم، لِيَصْحَبُوهُم في رحلة عودة إلى ما قبل التاريخ ليَبْدُوا وهم يكتبون على الجدار كأناس ما قبل التاريخ وهم يرسمون وينحتون على الصخور وجدران الكهوف. تبدو الدراسة عند الجدار أيضاً كالدراسة في الكتاتيب، ولكن بدلاً من حمل الأطفال لألواحهم الى المدرسةِ القديمةِ يكون الجدارُ هو اللوح الذي تتعاقبُ عليه الكتابةُ نهاراً والمحو (الجص) ليلا ليغدو في الصباح صفحةً بيضاء. الجدار الأفغاني جزءٌ من مدرسة تمثل بدمارها الكلَّ أفغانستان التي أعادتها الحرب عقوداً عديدة الى الوراء، وشاهد تفيض دلالاته على حدودها، لتغمر أي مكان تضرم فيه حرب.