محمد الحرز

لماذا الحاجة إلى أنسنة الثقافة؟

لا شيء يحدث في الوسط الاجتماعي العربي، في اللحظة الراهنة، يدل على أن الإنسان يحظى بكرامته أو على أبسط حقوقه التي أقرتها الدساتير العالمية لحقوق الإنسان. . فصور القتل والدمار اليومي التي تطالعنا بها مختلف وسائل الإعلام، من مناطق التوتر والصراع العربي، وانحسار المشاريع النهضوية الكبرى في التعليم والثقافة والسياسة، وغياب الفضيلة الأخلاقية في المعرفة والاجتماع الإنساني. ناهيك عن قيم العنف وثقافة الكراهية التي ارتبطت بإيديولوجيا الإسلام السياسي، بحيث أصبحت النموذج العالمي الذي يشار له بالبنان كلما جرى الحديث عن العنف والإرهاب العالمي، هي جميعها أكبر دليل على أن قيمة الإنسان لم تترسخ جذورها في تربة الثقافة العربية المعاصرة.من هنا نلح على الحاجة إلى التركيز على تلك القيم الإنسانية. وقد يبادرنا القارئ بالسؤال التالي: أين موقع الدول الغربية من كل ما يجري؟ أليس لها اليد الطولى سياسيا باعتبارها قوى عظمى في تحمل مسؤولية ما يحدث في الوطن العربي؟ بالتأكيد هناك تاريخ عريق من التدخلات والهيمنة من طرف هؤلاء على مقدرات شعوب المنطقة، ولا أحد يماري في ذلك. لكن في نهاية الأمر، لا دخل للقوى العظمى المهيمنة في تأصيل القيم الإنسانية داخل المجتمع العربي، ومن يأخذ على عاتقه مثل هذه المسؤولية بالدرجة الأولى هم أبناء المجتمع ذاته من مثقفين وأكاديميين ورجال دين وسياسيين أيضا. اليابان لم تقف مكتوفة الأيدي عند هزيمتها بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تفكر لحظة واحدة في معاداة أمريكا، ولم تهتم إلا بالنهوض مرة أخرى من ركام الهزيمة ببوصلة قيمها الموروثة، وهذا ما حدث بالفعل. لذلك رغم المحاولات التي جرت في عصر النهضة في مطالع القرن التاسع عشر في العودة إلى هذه القيم وإحيائها من قلب التراث عند البعض أو توسيع معانيها ومدلولاتها من المثاقفة مع الآخر عند البعض الآخر، وما تلا ذلك من مشاريع الدولة الوطنية، إلا أن نتيجة انحسار الأولى وانقطاع تأثيرها في مختلف الخطابات، وفشل الثانية في تأسيس دولة حديثة، يجعلنا نؤكد على أن الحاجة إلى تأسيس مثل هذه القيم مطلب ملح لا ينفك يزداد يوما بعد يوم. فالمحاولة في ترسيخ قيم مثل العقلانية في التفكير والتربية من خلال مشاريع في الترجمة والمثاقفة كما هو الحال في مشروع المنظمة العربية للترجمة، وتعزيز قيم التسامح الديني وإعلائها من واقع تراثنا الإسلامي، والاعتراف بالتعدد الثقافي للجماعات، وحق الفرد في الانتماء، ونشر التربية الأدبية التي تعلي من شأن الفرد في التعبير عن ذاته، هي الخطوة بالاتجاه الصحيح.ما يجعل الإصرار أكثر إلحاحا هو أن النزعة الإنسانية في موروثنا تمتاز بالعلامات المضيئة في بعض جوانبها، رغم ما تم تأصيله من نزعة إنسانية غربية ارتبطت بها في مطالع عصر النهضة الأوروبي، وألغت ما عداها من نزعات. لكن بعض المفكرين العرب أظهروا ملامح هذه النزعة في موروثنا كالمفكر محمد أركون وهشام جعيط وعبدالرحمن بدوي وغيرهم آخرون.