دواعش الليبرالية
خلق الله الإنسان متنوع الفكر والمزاج والهوى والمشارب، منذ أن سل قابيل حربته على أخيه هابيل، ليبوء بإثمه وإثمه، «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (الآية)، وبتكاثر البشر، أصبح الفكر مشارب وطرقاً، وشعوباً وقبائل تتناحر. وأرسل الأنبياء، وظهر المصلحون والمتسامحون والمتدينون والمهرطقون والبغاة والمتحزبون الانتهازيون الذين يوظفون الفكر للمصالح الشخصية، وتنوعت أصناف الجدليات والمجادلين.وكل عطاء فكري يتنوع ويفرخ منتجاته على شكل أشخاص، إلا أن ما يلفت الانتباه إلى الجدل المعاصر، خاصة في عالمنا العربي، أن بعض أصناف الليبراليين، والملحدين، وحتى الاسلاميين المتعصبين الغلاة، مصابون بوهم عضال، إذ يظنون أنهم «الفاتحون» للتاريخ المنقذون للبشرية الضالة على شفى المهاوي، وأنهم أول من نزل عليهم الإلهام، بينما لو عادوا إلى الوراء مائة أو مائتي عام أو حتى 3000 عام لاكتشفوا أنهم مجرد صدى لأمم قد خلت، ولأجداث قبور، ولأفكار قديمة سبق أن طرحت، بطول التاريخ ومسافات الدنيا، وشبعت نقاشاً وجدلاً، أحياناً تجد متنفساً فتعيش حقبة من الدهر ثم تتلاشى كدخان، وبعضها اندثرت في أضرحة مبدعيها وعظامهم الرميم. والغريب، في الوقت الذي يصرح فيه الليبراليون أنهم ضد التشدد والتطرف والتزمت، ومنهم قوم راشدون صادقون أوفياء، إلا أن سوادهم، وكثير منهم «متطرفون»، يتشبعون بروح متشددة فظة وقاسية، ويشربون من ذات الإناء الذي يرتوي منه المتطرفون الدينيون والقوميون وانتهازيو الفرص ودراويش داعش. ويطرحون أنفسهم أبطالاً لا يشق لهم غبار، لكن يرتمون في حضيض أسوأ النفاق وسطحية الفكر وبلاهة الذهن أو غياهب الجهل. أحدهم وهو يطرح نفساً مفكراً ليبراليا عظيماً، لكنه في الحقيقة صفر خالي الوفاض ومجرد ببغاء تردد ما تصدح به الميكرفونات الحزبية ومهايطات الفضائيات.هذا الليبرالي النحرير يستغرب لماذا تسمح حكومته بترخيص جمعيات دينية، وتمنع الترخيص عن «دكان» مشروعه الليبرالي. ولا توجد سذاجة وسطحية أكثر من هذا. ومن أين له أن يفهم، أن كل المجتمعات في العالم متدينة، ويلعب الدين دوراً مهما في حياة الناس من قلاع النار في هانوي حتى حصون ساندييغو الهادئة. وحتى في بلدان الغرب التي يتعبد في محاريبها، تديرها حكومات علمانية حقاً لكن توجد جمعيات دينية بأعداد لا تحصى. وألمانيا مثلاً يحكمها حزب ديني مسيحي، والجمهوريون الأمريكيون والأحزاب المحافظة في الغرب تفوز في الانتخابات ببركات التوجهات الدينية وتأييد الكنائس. وإذا كانت الحال هذه في عقر العلمانية، فمن الطبيعي أن تكون دول الشرق وخاصة العربية متحفظة، شعبياً وحكومياً، على المنابر الليبرالية التي تتحول، في الأغلب، إلى لوبيات حزبية ببغائية تجتهد في إرضاء دول وأحزاب وجمعيات غريبة مريبة، أكثر مما تجتهد في خدمة الفكر الحر والأسوأ تنخرط في حرب إهانة وتسفيه لضمائر الأمة ومقدساتها وكهربة الأوضاع. وبعض الليبراليين منافقون يتزيفون آناء الليل وأطراف النهار، والدليل أن كثيراً من الليبراليين العرب، يساندون بشار الأسد ومجازره وفظائع الحرس الثوري الإيراني الثيوقراطي المذهبي الطائفي. وهنا تصبح الليبرالية دكاناً حزبياً مسخاً يبيع بضاعة لكل مشتر بثمن بخس أو «يهبها» لزبون مخصوص يعشق هواه أو أثمانه، لأسباب نفسية أو تضليلية أو كره عضال للذات والجيران والعشيرة.* وترنهضت البهية صباحاًوفتحت النوافذ لتتناغم خصل شعرها بخصل الشمس،وشذا بساتين الغوطة،فإذا البراميل المتفجرة تشوي الأجساد،ودخاخين الحرائق تحجب الأفق والتنفسوعويل جيران وضجيج نائحات قبل أن يغرس الغزاة الغلاظ خناجرهم في جفونها.