محمد العلي

الحب الأسود

أخشى تموت رؤاي إنتتغيري.. فتحجريهكذا بلغة فظة طلب عمر أبو ريشة من حبيبته أن تتحجر خوفا على رؤاه من الموت، طالبا من الطبيعة أن تكف عن الجريان، وبدلا من أنسنة الأشياء، راح يحجرن البشر، إنه يعيد أمامنا أسطورة بجماليون عند توفيق الحكيم، حيث صراع الحياة والفن، فلا يستطيع بجماليون أن يعيش بلا «جالاتيا» ولا أن يرى آثار الكبر وغبار الحياة عليها.لقد كان بشارة الخوري أوسع أنانية من أبي ريشة، فهو طلب من الطبيعة نفسها أن تتحجر، حين بلغت ابنته عشرين عاما من عمرها المديد:عشرون قل للشمس لاتبرح وللأرض اجمديأما المهلهل التغلبي فكان منطلقا من جاهليته الغليظة حين قال:ليت السماء على من تحتها وقعتوحالت الأرض فانجابت بمن فيهاأما إذا أحببت رؤية الهجمية وهي تمشي الخيلاء فاقرأ:من حبها أتمنى أن يطالعنيمن نحو منزلها ناع فينعاهاوحين لا تخشى الدخول في متاهة الحيرة أو تطل من أوسع منافذ الشك، فاقرأ الأبيات التي يجمع المؤرخون على أنها لديك الجن:يا طلعة طلع الحمام عليهافجنى لها ثمر الردى بيديهاحكمت سيفي في مجال عناقهاومدامعي تنهل في خديهارويت من دمها الثرى ولطالماروى الهوى شفتي من شفتيهافوحق نعليها وما وطئ الثرىشيء أعز علي من نعليهاما كان قتليها لأني لم أكنأخشى إذا وقع الغبار عليهالكن ضننت على العيون بحسنهاوأنفت من نظر الحسود إليهاهل اتسعت عيناك بعد قراءتها؟ هل داهمتك الغرابة من هذا التناقض النفسي الذي مزق الشاعر شر ممزق؟ هل تصدق وقوع الحادثة أم تعتبرها من الأساطير؟ إن من يقرأ قصة «المنتقم» لأنطون تشيكوف لا يستغرب من الكهوف داخل الفرد الإنساني.أنا أشك من زاوية واحدة فقط.. هي أن الأبيات غريبة جدا عن لغة كل شعر ديك الجن المتسم بطابع الشعر الجاهلي.