محمد الصويغ

المتفرجون والمتفجرون والتوازن المنشود

لا شك في أن الأخطاء الطباعية عندما تقع في أي مقال فإنها «تنرفز» الكاتب وقد تخرجه عن طوره، كما أنها من جانب آخر تسيء إلى سمعة الجريدة إساءة بالغة، وتضع القارئ أمام «اجتهادات» قد لا يصل معها الى صواب، وهي في الوقت ذاته لا تصيب الكاتب وحده بالإحباط وانما قد تصيب القارئ أيضا، فبعض القراء قد يقفون أمام «معميات» مذهلة حينما يعجزون عن اكتشاف الخطأ الذي وقع في مقال الكاتب، فيصبون جام غضبهم ولومهم وعتابهم على كاتب المقال، في الوقت الذي لا ذنب له فيما حصل.لقد تعودنا على هذه الأخطاء فأضحت كالملح في الطعام فاذا خلا منه لا يستساغ، ولكن المعضلة قد تبدو غير طبيعية حينما تختلف كمية الملح في الطبخة فتغدو غير صالحة للأكل أو البلع أو الهضم، ولعلي أذكر هنا احتجاج القضاة في مصر على ما نشرته جريدة «الأهرام» المصرية تحت هذا العنوان المثير: «الأهرام تطالب بتجريد ثياب القضاة» وصحة العنوان هو: «الأهرام تطالب بتجديد شباب القضاء».صحيفة عربية وبالتحديد بتاريخ 25 /‏12 /‏1988م نشرت خبرا عن سريلانكا مأخوذ عن وكالة «رويتر» للأنباء تحت هذا العنوان: «رفع منح التجول في سريلانكا بمناسبة الأعياد» وصحة العنوان بالطبع هو: «رفع منع التجول» فتصوروا معي كيف تتبدل الآية لمجرد وضع حرف غير صحيح مكان حرف صحيح.حفلة أقامها مشعوذ إندونيسي في جاكرتا حضرت عروضها جماهير غفيرة من البشر، الى درجة أن بعض المتفرجين أصيبوا باختناقات من جراء «الزحمة» هذا الخبر بثته وكالة «رويتر» للأنباء فنشرته جريدة عربية بتاريخ 7 /‏2 /‏1989م تحت هذا العنوان: «المتفجرون في الحفلة» فانظروا كيف لم يفرق من قام بصف الخبر بين كلمة «المتفرجون» وكلمة «المتفجرون».وهذا خبر منشور في جريدة عربية عن النتائج الأولية للانتخابات النيابية في بولندا اقتبسته الجريدة من وكالة الأنباء البولندية وقد جاء كالتالي: ان نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت اثنين وستين وأحد عشر بالمائة من الناخبين المسلحين وعددهم سبعة وعشرون مليونا وثلاثمائة ألف شخص «فانظروا كيف لم يفرق من صف الخبر بين كلمتي «الناخبين المسجلين» وكلمتي «الناخبين المسلحين».زميلنا الكاتب الدكتور عبدالواحد الحميد وقع بين فكي هذه الأخطاء الطباعية «المفترسة» فقبل فترة نشر مقالا يتحدث فيه عن «التيارات الثقافية المتباينة» في بلادنا فاذا بهذه الجملة تتحول الى «التيارات الثقافية الشبابية» واذا بكاتبنا الرقيق يزبد ويرعد، وله الحق في أن يبدي من الغضب ما أبداه، فإن هذا الخطأ الطباعي نسف المعنى نسفا كليا، وخلط الأوراق مع بعضها ببعض «خلطة عجيبة».وكما يحدث في الجرائد والمجلات يحدث أيضا في الكتب، فقد كتب أحد المؤلفين في بطن الغلاف الأخير من كتابه هذه الجملة: «ريع هذه الطبعة مخصص لشهداء انتفاضة الشعب الفلسطيني» فإذا بها تتحول على يد من قام بصف الكتاب الى التالي: «ريع هذه الطبخة مخصص لشهداء انتفاضة الشعب الفلسطيني».أنا هنا لا ألوم من يقوم بالصف أو التصحيح فالأعباء الموكلة اليهم كثيرة لاسيما أولئك الذين يشتغلون في الاصدارات اليومية، فكان الله في عون الجميع.أنتقل الآن الى الحديث عن التوازن المنشود الذي كنت أعنيه في عنوان هذه العجالة، وأقصد به التوازن بين الأصالة والمعاصرة، فكيف يمكن أن يكون؟ وكيف يمكن انتشاره بين أقطارنا العربية كأهم عامل للحفاظ على مقوماتنا الثقافية الأصيلة؟ويبدو أن الاجابة عن تساؤل كهذا تكمن في مقدرتنا على أن نكون أوفياء لتراثنا العربي بما يجعل من هذا التراث العظيم نتاجا فكريا عريقا وثقافة مازالت جذورها باقية في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا، وفي الوقت ذاته لابد أن نتكيف بأي شكل من الأشكال مع افرازات الثقافة العالمية ومتطلباتها.هذا التوازن الضروري في حياتنا العربية لابد من الاهتمام والتركيز على دراسة جوانبه المختلفة كمدخل لاثبات وجودنا في هذا العالم، ولكن وفق منطلقات ثابتة مستمدة من تراثنا الثقافي العريق.