محمد السماعيل

الموت في الحوادث المرورية

بعد أن غادر الرئيس الأمريكي الثاني والأربعون (بيل كلينتون) البيت الأبيض، لم يتوقف نشاطه، بل استمر بالتدفق وتوغل في المجال الأكاديمي وزار الكثير من الجامعات العالمية لإلقاء المحاضرات، وحين زار العاصمة الرياض للمشاركة في منتدى التنافسية الخامس الذي عقدته الهيئة العامة للاستثمار في عام 2011 م، كنت - آنذاك - مسئولا عن وضع الخطة الأمنية لهذا المنتدى والاشراف على تنفيذها، ولأنني سأكون لصيقا بالرئيس (كلينتون) طوال فترة وجوده في المنتدى وفقا للخطة الأمنية، فقد وضعت ضمن أولوياتي البحث عن أي معلومات تساعدني في التعرف على شخصية (كلينتون) قبل اللقاء به، ولحسن الحظ عثرت على كتابه (حياتي) my life، والذي اعتبر - آنذاك - ضمن قائمة (الكتب الأكثر رواجا) في الغرب، وهو كتاب يصل وزنه إلى خمسة كيلوجرامات وتزيد صفحاته على 900 صفحة، وبصراحة لم يكن لدي الوقت الكافي لقراءته، ولكني اطلعت على الكثير من محتوياته، فالكتاب رائع ويحتوي على أفكار ملهمة عديدة، من ضمنها فرضية مقبولة علميا وضعها كلينتون في بداية الكتاب وهي تشرح الأسباب التي أدت إلى وفاة والده، وهي فرضية ملهمة، جعلتني أربط - تلقائيا - بين الأمطار التي هطلت بغزارة غير معهودة على منطقة الخليج العربي مؤخرا وبين وفاة والد الرئيس كلينتون!. جاء في الكتاب أن والد (كلينتون) كان مسئولا عن تصليح السيارات في الجيش الأمريكي الرابع الذي شارك في غزو إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية في عام 1943م، وبعد الحرب عاد والده إلى الوطن، وأثناء تنقله من مدينة إلى أخرى عبر طريق (شيكاغو) السريع، كان الطريق مبتلا بالمياه، ربما بسبب الأمطار، وفجأة انفجر الإطار الأمامي للسيارة التي كان يقودها، ثم فقد السيطرة عليها بعد أن اختل توازنها، وقذفته السيارة خارجها ثم توفي بعد صراع لساعات مع الموت، وبدون الدخول في حيثيات وتفاصيل ذلك الصراع مع الموت، أقول إنه بعد هطول الأمطار الغزيرة على المنطقة في الأيام القليلة الماضية، استرجعت ما قرأته في كتاب (كلينتون)، وبدأت أعيد التفكير في ما ورد فيه عن وفاة والده، ووجدت فيه عبرة مفيدة تنفعنا هذه الأيام في التعامل مع الأمطار أثناء قيادة السيارة. العبرة التي نستفيد منها من الحادث الذي أدى إلى وفاة والد الرئيس كلينتون، لها علاقة بالحوادث المرورية، التي تقع في بلادنا وحول العالم، فعن الأولى هناك دراسة قامت بمقارنة بين الخسائر التي تتكبدها المملكة من جراء الحوادث المرورية وبين الخسائر الناتجة عن الحروب خلال العشرين سنة الماضية في كل من: (الأرجنتين، والصحراء الغربية، وحرب الهند وباكستان، وحرب الخليج، وحرب النيبال الأهلية)، وجدوا أن خسائر المملكة في الحوادث المرورية تزيد عن جميع تلك الحروب بـ (4000) وفاة، وعن حوادث المرور حول العالم فهناك دراسات تقول إنه في كل دقيقة يموت شخصان حول العالم بسبب الحوادث المرورية، ودراسة أخرى تقول ان الحوادث المرورية مسؤولة عن إزهاق أرواح ما يقرب من مليون و(400) ألف شخص سنويا حول العالم، وحوالي 70% من وفيات الحوادث المرورية تقع في البلدان النامية، منها حوالي (21) ألف وفاة في العالم العربي. قال المحللون والخبراء في الشأن المروري: إن الرابط قوي ومباشر بين بداية هطول الأمطار وبين وقوع الحوادث المرورية؛ معللين ذلك بسبب نقص معامل الاحتكاك للطريق مع إطارات السيارة، أي أن إطارات السيارة لم تتشبع بامتصاص الماء لذا تتزحلق حين استخدام (الفرامل) المبتلة بالماء أو لأي سبب من الأسباب، والعبرة التي استقيتها من كتاب كلينتون تقول علينا الحذر أثناء قيادة السيارة والطرق مبتلة بالمياه، فالسيطرة على السيارة لن تكون سهلة في هذه الحالة حتى وإن كان السائق ماهرا بمهارة والد الرئيس (بيل كلينتون). في المملكة رغم أن فترات هطول المطر لا تطال كل العام كما يحدث في الكثير من بلدان العالم، إلا أن حوادث المرور في فترات سقوط المطر تبدو مقلقة قياسا بالحوادث التي نشهدها طوال العام وقياسا بمثيلاتها في أرجاء كثيره في العالم مما يدعو إلى أهمية الوعي بمتطلبات القياده أثناء تلك الفترات. خلاصة ذلك كله، يجب علينا الحذر أثناء هطول المطر والسير بسرعات منخفضة، كما علينا في البداية التأكد من عمل مساحات الزجاج الأمامي قبل تحريك السيارة، وإضاءة الكشافات الأمامية؛ إذا كان المطر غزيرا، مع إضاءة الأنوار الخلفية وأنوار الانتظار لتنبيه السيارات التي خلفنا بوجودنا، مع الابتعاد عن السيارات التي أمامنا بمسافة كافية ربما لا تقل عن 5 سيارات، وفي حال وجود بخار الماء على الزجاج علينا فتح النوافذ قليلا للتهوية أو تشغيل مكيف الهواء البارد أو وضع المكيف على درجة حرارة مماثلة لدرجة حرارة السيارة الخارجية؛ حتى نتخلص من بخار الماء المعيق للرؤية، وفي كل الأحوال إن للمطر لغته العالمية، فاللغة التي تحدث بها في أمريكا وأدت إلى وفاة والد الرئيس (كلينتون) هي نفس اللغة التي يتحدث بها هنا وفي كل مكان آخر.