ترامب وجامع
من الأحداث والمفارقات العجيبة التي ستسجل في شهر يناير 2017م والتي تمت خلال اقل من ثمانية وأربعين ساعة فيما بين يومي التاسع عشر والعشرين من شهر يناير، حدثان تم الاول في قارة الفقر الاقتصادي والتنموي والتأخر السياسي والتخلف الاجتماعي، في افريقيا. وتم الآخر في قارة الرفاه الاقتصادي والتطور السياسي، الولايات المتحدة الامريكية. من افريقيا ومن دولة غامبيا الصغيرة تبدأ القصة بانتخابات رئاسية في شهر ديسمبر 2016م اعلنت فوز المتسابق للرئاسة «أدما بارو» ولكن الرئيس السابق «يحيى جامع رفض هذه النتيجة، وشكك في نزاهة الانتخابات مما أدخل البلاد، والقارة والأمم المتحدة في حالة ترقب لحدوث الأسوأ» صراع على السلطة يؤدي إلى التبعات التقليدية، من إراقة الدماء والاحتراب الاهلي. ولكن قصة هذا الرجل يحيى جامع جديرة بأن تروى حيث وصل للسلطة في 22 يوليو 1994م بانقلاب! وبعد أن استقرت له الامور خلال العامين الأولين من حكمه انتخب رئيسا للبلاد. المفيد ان الرجل تم التجديد له بالانتخاب النزيه النظيف حتى قضى في السلطة 22 عاما. من الحيل التي حاول جامع التذرع بها لاستمرار سلطته اعلانه في العام 2015 ان بلاده اصبحت بلادًا اسلامية وقال في احد خطاباته حينها بإشارة لدول بعينها ان غامبيا ستكون دولة اسلامية وستحترم حقوق المواطنين!! خلال الازمة السياسية التي كادت تعصف بالبلد سجلت الوكالات الدولية المتخصصة حركة نزوح من غامبيا إلى الدول المجاورة، خاصة إلى السنغال التي حشدت جيشها على الحدود. اضافة للجيش النيجيري. وراحت الأزمة تتصاعد سياسيا باستلام الرئيس المنتخب مهامه كرئيس عبر أداء اليمين الدستورية في سفارة بلاده في السنغال «داكار» وساند ذلك توجه مجموعة دول غرب افريقيا إلى الامم المتحدة واستصدار قرار دولي بالتدخل لصالح الرئيس المنتخب في حال اصرار جامع على عدم التخلي سلميا عن السلطة. كل هذه المسارات السياسية والعسكرية اجبرت جامع على الظهور على شاشات التلفزيون ليعلن قبوله بنتيجة الانتخابات ويودع الغامبيين الذين جثم على صدورهم طويلا. وقال في خطاب الوداع انه سعيد بحقن دماء الناس وتجنيب بلاده الحرب الاهلية والتدخلات الدولية. وغادر إلى منفاه الاختياري في غينيا «كوناكري» بعد ان ترددت انباء عن تأمين هذا الملجأ الآمن له، والتعهد بعدم ملاحقته قانونيا في المستقبل. وكالات الانباء نقلت عن بعض الغامبيين بعد مغادرة جامع قولهم: سيعلم جامع الآن معنى أن يكون المرء لاجئا. اقوى الاشارات الدولية التي أنهت هذا الصراع الافريقي التقليدي على السلطة جاءت من الولايات المتحدة الامريكية حيث نُقِلَ عن مسئولين امريكيين حينها قولهم: إن جامع سيغادر البلاد خلال ثلاثة أيام. وهو ما حدث بالفعل حيث غادر من مطار العاصمة «بانغو» بصحبة الرئيس الغيني. هذه الاشارة الامريكية انهت جولة متوقعة من الصراع على السلطة ولا يخفى دور دول غرب افريقيا ودور الامم المتحدة، ومع ذلك هذا الحدث ينقلنا إلى العالم الآخر الولايات المتحدة الامريكية التي تزامنت فيها احداث نقل السلطة بفخامة واحتفالية وتقاليد اصبحت ذات طابع عريق، عبر الآلية التي ارتضاها الناس هناك وهي الديمقراطية والقبول دون مراوغة وتحايل بنتائجها حتى وان جاءت إلى سدة الرئاسة برجل من خارج الطبقة السياسية الحزبية التقليدية الامريكية، ومن خارج الفاعلين السياسيين الميدانيين. العالم كان منبهرا بأبهة انتقال السلطة وبسلاستها، حضور زعماء سابقين أعطى بعدا تاريخيا للمناسبة التي كانت احتفالية العالم غير المسبوقة والتي شهدت الاحتفالات الراقصة، واللقاءات الفاخرة، والمظاهرات التي تعبر عن غضب البعض بوصول الرئيس الجديد. هذا لا يحدث الا في امريكا التي بدأ الرئيس الجديد فيها ومنذ اللحظات الاولى يراجع خطط الدفاع العسكرية ويُقَيّم الاتفاقيات السابقة مع بعض الاطراف الدولية، ويعطي تصوره لأمن بلاده التي طالما رفع شعارًا بأن تكون هي «أولا».الحديث بهذه الواقعية عن الولايات المتحدة وآليات صناعة السياسة فيها، ومحطات ادارة الدولة لنفسها وللمجتمع لا يأتي من باب الإعجاب، والانبهار بقدر ما يأتي من مسارات الواقع وتسمية الاشياء بأسمائها. ترامب جاء رئيسا وسيصبغ السياسة الامريكية وبالقدر المسموح به برؤيته لمعالجة الأمور، وستكون تجربة إن أصاب فيها ترك للأمريكيين والأمريكيات فسحة ليدلوا برأيهم في مستقبله السياسي وإن حدث غير ذلك، فللناس الخيار في منح ثقتهم لرئيس آخر بدون سلب للسلطة وبدون احتراب داخلي ولا تدخل أجنبي.