سؤال المنهج في تعزيز الحوار والتواصل
مفهوم التواصل بين البشر مفهوم جوهري في التفكير المعاصر، ولازمة من لوازمه التي لا تنفك تترسخ يوما بعد يوم في الحياة المعاصرة، مظاهره العديدة تشمل جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية وتصبغها بصبغته. قد تبدو هذه الأهمية في التواصل بين الناس إحدى البدهيات التي يدركها الناس أنفسهم دون الحاجة إلى التذكير بأهميتها أو التنظير لها من خلال الفكر، فطالما كان الإنسان عبر تاريخه الاجتماعي والاقتصادي والروحي يدرك تماما ضرورة العيش المشترك في جماعات، وإن الحياة قائمة بالأساس على مثل هذه الضرورة، وكذلك صناعة الدول والحضارات. لكن ما أعنيه من ارتباط هذا المفهوم بالتفكير المعاصر له خصوصية مختلفة عما ذكرته. خصوصيته تكمن في ميزات ثلاث: الأولى منها يتصل بالتطور العلمي الهائل في مجال الاتصالات، ثانيها انعكاس هذا التطور على حياة الناس دون اعتبار للحدود والمسافات بينهم، ثالثها دخولهم تحت تأثير هذا الانعكاس في صناعة قيم مشتركة محورها الأساس حقوق الإنسان وحريته وكرامته. لكن هذه الميزات أوجدت أزمة تتسم بالمفارقة التالية: كلما تعززت هذه القيم نشأت إزاءها حروب طاحنة وهويات قاتلة وفروقات هائلة بين الفقراء والأغنياء. لذلك سعى الكثير من المفكرين والفلاسفة في تفسير هذه المفارقة، ولست هنا بصدد فتح هذا الباب، يكفي الإشارة إلى الفيلسوف هابرماس ونظريته التواصلية لندلل على عمق التفكير في المسألة. لكني سأركز فيما يلي على جانب مهم في مسألة التواصل التي تهمنا تحديدا كمجتمع إسلامي وهو الحوار. وعليه لو تطرقنا إلى أهم القضايا التي تمس حياتنا المعاصرة لوجدنا أنفسنا في قلب تلك المفارقة حيث الحوار يزيد الشرخ اتساعا. لذلك ما العمل؟ أقول إذا ما حددنا جملة من القضايا المهمة واعتبرناها ذات أولوية قصوى في التأثير علينا من العمق، قضايا كالعدل الاجتماعي والمساواة، التنمية والحرية، التعدد الثقافي والأقليات أو الإسلام السياسي وإشكالياته أو الوعي التاريخي..ألخ، فإنه في هذه الحالة سيواجهنا سؤال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنهج والرؤية وكذلك بالعدة التحليلية التي تفسح في القول إلى كل ما هو جديد فيها. فمثلا حين ننتخب قضية واحدة من القضايا سالفة الذكر ضمن هذا الإطار كحركات الإسلام السياسي مثلا، يمكننا بالتالي أن نصيغ السؤال بالطريقة التالية: لماذا مفهوم الرفض لقيم الحداثة عند هذه الحركات تُقرأ - وفق أغلب الدراسات - من منظور التأثير الذي يمارسه الحدث في نتائجه الزمنية القصيرة؟!السؤال هنا استنكاري بالدرجة الأولى. فهو يقول بطريقة بسيطة: ما دامت هناك وقائع واحداث معينة، قريبة من زمننا، تشير بصورة لا لبس فيها إلى حالات الرفض المُعبر عنها - عند هذا التيار أو ذاك من تلك الحركات - في أشكال مختلفة من الظواهر كالتعصب والتطرف والنبذ والعنف اللفظي والجسدي وصولا للقتل. إذن هذا يفضي إلى نتيجة مفادها: أن الأثر الذي تتركه مثل هذه الأحداث على إنتاج مثل هذه الظواهر لهو دليل على تجذر مفهوم الرفض في أذهان هؤلاء، وبالتالي يستدعي هذا الموقفُ موقفا آخر مضادا ينهض على مقولات التأييد المطلق لقيم الحداثة مما يفضي إلى تكوين خطابات سجالية بين الموقفين، لا يؤدي في معظم الأحيان سوى إلى مزيد من الصراع وسوء الفهم وضياع البوصلة للحوار الجاد والتواصل المفيد. لكن بالإمكان هنا معالجة سؤال الرفض وفق فرضيات نظرية تتعلق اساسا بالزمن في بعده التاريخي. وهذا يحيلنا بالدرجة الأولى إلى المؤرخ فرناند بروديل (1902-1985) في تقسيمه الثلاثي للزمن في دراسته «حول البحر الأبيض المتوسط في عهد فيليب الثاني». زمن المدى الطويل، وزمن المدى المتوسط، وزمن المدى القصير. الأول هو «زمن التاريخ شبه الثابت أو ما يسمى بالزمن الجغرافي، وهو تاريخ الإنسان في علاقاته مع المحيط الذي يعيش فيه، وزمن هذا التاريخ بطيء الجريان والتحول. الثاني الزمن الاجتماعي أو التاريخ الاقتصادي الاجتماعي، وهو «زمن بطيء الوقع في تغيره يهتم بتاريخ الجماعات والتجمعات». أما الأخير فهو التاريخ التقليدي أو السياسي أو التاريخ الحدث وهو يقاس بزمن تاريخ الأفراد إذ هو «زمن يتحرك على السطح وبسرعة وبتموجات قصيرة ومتلاحقة».إن الدخول في تفاصيل نظرية بروديل ليس هو الهدف المتوخى من هذا المدخل، إنما المهم بالنسبة لي يكمن في السؤال التالي: ماذا لو وضعنا مفهوم الرفض ضمن نطاق النظر إلى الأحداث وفق زمن المدى الطويل، خصوصا إذا ما أدركنا أن تاريخ الرفض عند هذه الحركات بدأ تدريجيا منذ الخمسينيات والستينيات من العقد المنصرم ؟ في مثل هذه الحالة ستتاح الفرصة للباحثين أو المتحاورين ليس التركيز على مقولات الرفض في حد ذاتها، بل على الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية التي أدت إلى مثل هذه المقولات. وهذه دعوة لتوسيع أفق الحوار والنظر.