فهد السلمان

فلسطين هل باتتْ «فلسْ..طين»؟

لا شيء يسوؤني كعربي انتاج جيل النكسة أكثر من أن أنصت إلى نجوى قاسم لما يزيد على الساعتين كل مساء، وهي تستعرض حدث اليوم، دون أن أسمع منها ما يشير إلى وجود قضية كان اسمها فلسطين. كانت الأسماء الحركية لقيادات منظمة التحرير رغم كل الهفوات والسقطات تملأ الأسماع، كنا نعرف صور كل المناضلين، وأسماء بلداتهم وقراهم، ونفاخر ببطولاتهم، وهم يتنازلون طوعا عن حقهم في الحياة في بواكير شبابهم ليحيا الآخرون وكل (الأبوات) من أبي عمار إلى أقلّ أب كرموز للقضية بكرامة، كانت فلسطين بالنسبة لنا كجيل على الأقل بمصطلحاتها الباذخة ابتداء بمفردة النضال إلى الكفاح المسلح إلى الفدائيين، إلى صوت فيروز والقدس زهرة المدائن، وصولا إلى صوت عبد الوهاب الرخيم الآتي من كل أصقاع الروح ومنافيها إلى شواطئ العزة والفخار على صهوة جياد: «أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا، أنتركهم يغصبون العروبة.. مجد الأبوة والسؤددا ؟» كانت تمثل رعشة الوجدان المزمنة التي تبصم على أنفاسنا صك إعلان الشعور بالحياة من أجل قضية، كان هذا حينما كانت فلسطين أدنى الأرض، فيما قلوبنا تمتلئ بآمال (الغلبة)، وقبل أن تصبح غدرا في أنأى الأرض بتشوهات الأمة وانكساراتها، لننتظر الـ (سيُغلبون). لا أسألكم من دفعها إلى هذا الخلف البئيس الذي لا يليق حتى ولا بشبر أرض نكرة فضلا عن أرض تُعمدها القداسات من أخمص نقبها إلى هامة جليلها؟، لا.. لن أسألكم عن هذا، فكلكم / كلنا يعرفون، لكنني فقط أستوحش تفكيك هذا الاسم الذي كان ذات يوم هو مجمع حياء هذه الأمة، وموطن استدعاء شهامتها وكبريائها، قبل أن يغدو في وجدان الكثيرين كما يبدو، أقلّ وأرخص من (فلس.. طين) ؟، هل أصبحت البنادق العربية ـ كما يقول درويش ـ تصوّبُ في كل الاتجاهات إلا الاتجاه الصحيح ؟، هل أصبحتْ مساحة الجراح النازفة أكبر من مساحة الجسد العربي؟، لا بأس حتى وإن تقاتل الجسد، وإن تمزّقتْ أشلاؤه، وإن تباعدتْ أعضاؤه، لكن هل ينبغي أن يختفي القلب الذي كان لنا محطة الوفاق، هذا هو السؤال؟.