التباهي في وسائل التواصل الاجتماعي
وسائل التواصل الاجتماعي هي نعمة من النعم الكثيرة التي منّ الله علينا بها. ولقد كثر الحديث عنها في السنوات الأخيرة بسبب أنها صارت جزءًا من الاستخدام اليومي في الحياة، بل أصبحت لدى البعض إدمانًا لا مفر له منه. ولا شك أن العصر الحالي والقادم سيشهد مزيدًا من المفاجآت في عالم التكنولوجيا، والأنظمة التشغيلية للحواسب الآلية، وتطبيقاتها العجيبة والمبدعة من أجل خدمة الإنسان. ولكن هل ستصبح هذه الخدمة يومًا ما نقمة؟!إنه كلما ازداد التعلق بها (وسائل التواصل الاجتماعي) أكثر وأكثر، فإن ذلك سوف يؤثر حتما على العلاقات الأسرية والاجتماعية والإنسانية. وسوف تطفو للسطح شوائب سلبية لاستخدامها (طبعا، وسائل التواصل الاجتماعي لها جوانب إيجابية). ومن تلك الأمور التي أود التركيز عليها والتي بدأت تظهر كثيرًا (بطريق مباشر وغير مباشر) هي مسألة التباهي والتفاخر من خلال هذه الوسائل بالأشياء والمقتنيات والمشتريات والممتلكات والسفريات على اختلاف أنواعها وأشكالها.إن مشاركة الآخرين بما نقوم به من أقوال وأعمال هي جزء من طبيعة الإنسان لأنه اجتماعي بالفطرة. ولكن حين تصبح المسألة مجرد هوس أو إضاعة للوقت مع الآخرين، ثم تنتقل إلى مرحلة التباهي والتفاخر بها، فهاهنا تكمن المعضلة. حيث يتم نقل وبث الصور والفيديوهات في تلك المواقع لمعظم ما نقوم به في الحِل والترحال حتى أصبحنا نسمع ونرى كل حركة وخطوة وهمسة. وأصبح كل قول وفعل يصور أو يسجل بلا تحفظات أو موازنة، وفي كثير من الأحيان بلا حياء أو ليس فيه مراعاة للذوق العام. وبسبب ذلك كله كان لابد من التحدث عن تبعات ذلك.منها على سبيل المثال أن تأثيرها في السابق كان محدودًا، وأما اليوم، فهناك الآلاف إن لم يكن الملايين من الناس يشاهدون ويعرفون ما نقوم به. فما هي الفائدة المرجوة حين يتباهى الغني المقتدر بأنه أنفق الأموال من أجل المتعة والتسلية في السفر، وإظهار وجبات الطعام المسرفة، والفنادق الفخمة، والبذخ في الهدايا وغيرها؟!. وما الذي سوف يستفيده المتابعون؟. وما الثقافة أو المعلومة المفيدة وراء ذلك كله؟ غير كثرة الكلام، وإضاعة المال والجهد والوقت بلا طائل!. ويُذكر أن ابن حزم -رحمه الله- قال يوما: كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع، فكان ذلك سببًا لهلاكه، بعين حاسد أو كيد عدو، فإياك وهذا الباب، فإنه ضر محض لا منفعة فيه أصلا. ومن تبعاتها أيضا أنها تفتح باب المقارنات بين الأسر، وربما تصل إلى الغيرة والحسد، والمناكفات والمشاحنات، فتتمكن البغضاء من النفوس. وهي أيضا تخلق نوعًا من الحسرات والعبرات بكسر قلوب الأسر غير المقتدرة، الذين كانوا في السابق يسمعون فقط. وأما اليوم، فتلك الأسر وأطفالها (خصوصا المراهقين) يتأثرون سلبا بما يسمعون ويرون. ولذلك جاء في الحديث الشريف الذي يحمل في مضامينه بُعدا إنسانيا عميقا في فهم نفسيات البشر: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله». في مقابل ذلك قد ينشر البعض الصور والمقاطع المرئية من باب التعليم والحث على فعل الخير و«الدال على الخير كفاعله»، ولكنها عندما تكثر (إذا زاد الشيء عن حده.. انقلب إلى ضده) بشكل عشوائي قد تبدو غريبة وعجيبة. وقد تصبح أقوالنا وأفعالنا التعبدية كالسلعة التي نعرضها على الجميع!ومن النقاط المهمة أيضا أن العالم اليوم هو فعلا قرية واحدة ولكل أصبح على الهواء مباشرة!! ولذلك كان لابد من أن نشعر بأوضاع العالم العربي والإسلامي، فهناك الكثير من الدول المجاورة تمر بأسوأ فتراتها، فمناطق كثيرة منها تعيش حروبًا وفقرًا وخوفًا وجوعًا وتشريدًا ومآسي مريعة. ونحن في المقابل نتباهى بالسفر والطعام واللباس. ليس المراد أن يزهد الإنسان بما أنعم الله عليه، ولكن نريد قليلا من الإحساس بظروف الآخرين من حولنا.وفي خضم هذا المقال لابد من كلمة شكر لكل من أنعم الله عليه بالخير والنعم، والمال والسفر واستمتع بحياته بهدوء، وبعيدا عن التباهي أمام الكاميرات لأنه أحس وأدرك بمعاناة الآخرين وآلامهم، فترفع بخُلقه أن يجرح من هم دونه. ولعلي أختصر المقال في بعض كلمات، فأما المتباهون في مواقع التواصل الاجتماعي، فأقول لهم: ليس كل ما يُشترى ويُقتنى يذاع وينشر، وكما يقال: ليس كل ما يعلم يقال. وأما الأغنياء، فليتفطنوا أن الناس ليسوا كلهم مثلكم أغنياء !!. وأما أصحابنا الفقراء، فليبتسموا حمدا، وليتذكروا أن هناك من هو أفقر منهم.