خليل الفزيع

الأحساء.. ملتقى المثقفين

كان حفل افتتاح مبنى نادي الأحساء الأدبي مؤخرا عرسا ثقافيا جميلا، التقى فيه المثقفون من جميع أنحاء المملكة والخليج العربي، ولعل أهم ما يتحقق في مثل هذه اللقاءات هو الحوار الحر المباشر بين المثقفين، عندما يلتقون وجها لوجه، وتثري لقاءاتهم أحاديث عن الثقافة وهمومها، وعن الأدب وشؤونه، وعن الشعر وشجونه، بعيدا عن الروتين الذي تتسم به المناشط الرسمية المبرمجة، فالجميع في مثل هذه اللقاءات المفتوحة يتحدثون بحرية تامة عن كل ما يشغلهم، ويقض مضاجعهم من أمور الثقافة المتشعبة والمعقدة، في ظل المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد الوطن ومواطنيه، ودو المثقف في التصدي لدرء هذا الخطر الداهم والخطير. وقد تطرق الضيوف لهذه المواضيع وغيرها، وهم في ربوع هذه الواحة الجميلة، بطبيعتها الخلابة، ونخيلها السامقة، وثقافتها العريقة، وتراثها الضارب في أعماق التاريخ، وحضارتها المتألقة على مر العصور، وكرم أهلها المنقطع النظير. وكان حسن التنظيم وكرم الضيافة سمتين بارزتين في هذا اللقاء، أشاد بهما الجميع، ولا شك في أن وراء نجاح هذا اللقاء جهودا مكثفة من رئيس النادي د. ظافر الشهري، وزملائه الكرام أعضاء مجلس الإدارة، ومنهم الشاعر الجميل محمد الجلواح، الذي استقبل الضيوف بباقات الورد، وابتسامات الود، ومشاعر المحبة، وقد بذل الجميع جهودا في التنظيم واستقبال الضيوف من مطاري الدمام والأحساء، وتوج هذا الحفل حضور سمو أمير المنطقة الشرقية، الذي كتب في سجل النادي كلمات رائعة، ستكون دون شك حافزا لأعضاء النادي لبذل المزيد من الجهد لخدمة الثقافة والمثقفين في بلادنا، وكان بصحبته سمو محافظ الأحساء الذي كان ولا يزال داعما حقيقيا للنادي منذ إنشائه، ومتابعا دقيقا للمبنى الجديد حتى افتتاحه. ومن الملاحظات التي لم تخف على أحد، الحضور النسائي الكبير، الذي أعطى هذه المناسبة قيمة مضافة، حيث تواجدت فيه مجموعة من المثقفات من بلادنا والخليج العربي، وبعضهن يزرن الأحساء لأول مرة، فكانت الفرصة مواتية لهن لمعرفة الكثير عن هذا الجزء من بلادنا الغالية، وقد استضافتهن إحدى السيدات الفاضلات في مزرعتها، في لقاء لا شك أنه كان مثمرا، من أجل دعم دور المرأة في التنمية الثقافية، وهي التي تقوم بجهد وافر فيها، جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل، وقد أثبت القسم النسائي بالنادي نجاحه في استقبال القادمات من خارج الأحساء، وتنظيم تنقلاتهن خلال تواجدهن في هذه المناسبة. ومما هو جدير بالذكر، والشكر في الوقت نفسه، هو أن مبنى النادي قد أنشئ بدعم كريم من أسرة الجبر التي قدمت تكاليف إنجاز هذا المبنى ليصبح معلما حضاريا بارزا، ومركزا ثقافيا رائدا، وبيتا للمثقفين في الأحساء، الذين عليهم أن يبذلوا من الجهد ما يتناسب مع مكانة الأحساء الثقافية، وهي الزاخرة دوما بالعلماء والأدباء والمثقفين، وقد استطاعت أسرة الجبر بتبرعها السخي أن تضرب المثل الأعلى في العطاء الوطني غير المحدود، الذي يمكن أن يقوم به رجال الأعمال في الخدمة الوطنية وفي جميع المجالات، وقد (أكد عضو مجلس الأمناء بمؤسسة الجبر الخيرية ورئيس المجلس التنفيذي الأستاذ ناهض الجبر، أن مؤسسة عبدالعزيز ومحمد وعبداللطيف الحمد الجبر الخيرية تهدف إلى تبني المشاريع التنموية بتكلفة زادت على ثلاثمائة وخمسين مليون ريال، ما بين مشاريع صحية وثقافية وتعليمية واجتماعية، وأشار إلى أن مشروع مبنى النادي الأدبي ما هو إلا دعم للفكر والعقل وصنع للثقافة؛ إيمانا بأن تطور المجتمع مرتبط بالأدب، فهو الينبوع الذي يروي الحياة حسنا وكمالا، وقد بلغت مساهمة المؤسسة في هذا المشروع حوالي عشرة ملايين ريال)، وهذا ما أتاح إنجاز هذا المبنى الجميل الذي روعيت في تصميمة القدرة على استيعاب كل متطلبات وفعاليات هذا الصرح الثقافي الكبير. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإننا لا ننسى الأعمال التي قدمتها مؤسسة الجبر الخيرية للوطن، ومنها مشروع السكن الميسر الذي ضم 243 وحدة سكنية، ومعها مركز تدريب لمساعدة الأسر الموجودة في هذه المساكن، وبناء مستشفى الكلى، وبناء مستشفى الأنف والأذن والحنجرة، ومجمع تعليمي يضم جميع مراحل التعليم العام: الروضة والابتدائية والمتوسطة والثانوية، ووحدة الأطراف الصناعية في جمعية تأهيل المعاقين، وبناء الكثير من المساجد والجوامع، إضافة إلى الأعمال الخيرية التي قام بها أفراد هذه الأسرة الكريمة على نفقتهم الخاصة، وهي كثيرة، جزاهم الله خير الجزاء، على ما قدموا ويقدمون لهذا الوطن ومواطنيه. وكم نتمنى أن يحذو رجال الأعمال حذو هذه الأسرة الكريمة في دعم مؤسساتنا الثقافية، التي تشكو من ضعف التعاون معها من قبل رجال الأعمال والبنوك والشركات الكبرى والميسورين من أثرياء الوطن، مع التقدير للجهد والبذل السخي الذي قدمه بعض رجال الأعمال في بعض مناطق المملكة وهم قلة مع الأسف الشديد، ولعل هذا هو السبب في تعثر إنجاز مباني الأندية الأدبية في بعض المناطق، رغم ما تشكله هذه الأندية من واجهة حضارية تعكس مستوى الوعي في المجتمع، وتسهم في دفع الحراك الثقافي إلى الأمام، كما تسهم في تأصيل الوعي بأهمية المنجزات الوطنية على كل المستويات.أخيرا.. تحية لنادي الأحساء الأدبي، ولكل من أسهم في نجاح هذا الحفل بماله أو جهده أو مشاركته.