الجذور ومسؤوليتنا في حفظ شواهد التاريخ
لا أعرف ما هو السر في تغييب الأسماء التاريخية لكثير من المواقع في بلادنا، وبشكل يجعلها تنفصل تماما عن تاريخها، حتى يكاد من يمر عليها لأول مرة يتصور أنها بلا تاريخ أو أنها مواقع طارئة حديثا. تفتش على الأرض مثلا عن مدين أو «مدائن النبي شعيب»، والأيكة، فلا تكاد تجد لهما أي أثر أو دليل واضح، الاستثناء الأبرز «مدائن صالح» أو حجر ثمود. أتحدث عن الآثار الضاربة في عمق التاريخ، أما الآثار القريبة نسبيا فهي بين هذه وتلك، منها ما هو واضح ولا يزال يحتفظ باسمه التاريخي، ومنها ما اندثر واندثر معه اسمه، ونبت على أنقاضه اسم آخر لا علاقة له به أو بتاريخه. وبما أن الجزيرة العربية هي الوعاء الأم للكثير من الحضارات، وصولا للحضارة الإسلامية، فإنني أعتقد أن تراثنا الحضاري قد تعرض للكثير من التهميش والإهمال بذرائع غير مقنعة - للأسف- استطاعت أن تفرض رأيها لفترات طويلة، قبل أن تجتهد هيئة السياحة والتراث الوطني في محاولة استدراك المشكلة، والعمل على استرداد الآثار للواجهة؛ الأمر الذي أفرغ بلادنا من إرثها التاريخي الضخم، وحولها في نظر البعض إلى مجرد صحارٍ فارغة تتطارد فيها خيول الريح، وتسوطها ألسنة الشمس صباح مساء، إلى حد تشويه تاريخ هذه الأرض، واختزاله بطريقة مفزعة، جعلت حتى أبناء المكان أحيانا لا يعرفون حديث الأرض تحت أقدامهم، وكأنها كانت ساحة فارغة قبل أن يولدوا عليها. في مصر، وفي العراق، وفي الشام، وفي اليمن تستشعر مهابة التاريخ بوضوح أنفاس تلك الحضارات التي نشأت فيها بالدلائل، واللوحات التعريفية، في حين تفتقر الكثير من المواقع ذات القيمة التاريخية في بلادنا إلى أي إشارة واضحة، ولو كلوحة طريق، تسترد المعلومات الأولية من هويتها، وتقدم هذه الأرض للزوار بجينوم نسبها التاريخي الذي يمتد إلى ملايين السنين، ويروي بمئات اللغات للآخرين تاريخا حضاريا ممتدا إلى فجر التاريخ لهذه الأرض، التي بخسها الكثيرون حينما أرخوا لها ببزوغ النفط، وجعلوا شواهد حضارتها الإسمنتية الحديثة هي كل ما يمكن التقاطه من ملامح شخصيتها.