د. ابراهيم العثيمين

دول الخليج بعد 5 سنوات من ما يسمى الربيع العربي

إحدى المقولات المقتبسة التي افضلها هي ملاحظة هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومستشار الأمن القومي، في كتابه المعنون بـ«النظام العالمي.. تأملات في شخصية الأمم ومسار التاريخ» والذي يعالج فيه معركة البقاء بين الامم تقول المقولة «إن الشرق الأوسط يعيش نزاعًا يشبه النزاعات التي واجهتها أوروبا في القرن التاسع عشر من حروب دينية، نتيجة انهيار الدولة وتحويل أراضيها لقاعدة للإرهاب، وتهريب السلاح نتيجة تفكك الدولة الذي سيؤدي إلى تفكك النظام الإقليمي والدولي». أعتقد انه تشخيص رائع للمشهد الذي تعيشه المنطقة اليوم وتستحق التمعن. فبعد 5 سنوات من الاحداث التي شهدتها المنطقة بداية من عام 2011 والتي أدت الى تفكك الدولة القومية، فقد اضفت هذه الحالة كثيرا من التحديات التي انعكست أمنيا وسياسيا على أمن واستقرار دول الخليج، ومن اهمها ولادة عدد من التنظيمات الارهابية وفي مقدمتها تنظيم ما يسمي «داعش»، مستغلين عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول، مما أوجد البيئة الخصبة والايديولوجية للانطلاق والتمدد في الجوار المباشر لدول الخليج. ومن المعروف أن دول الخليج وفي مقدمتها المملكة قد تعرضت خلال الفترة الممتدة من عام 1995 وحتى العام 2009 إلى موجة من العمليات الإرهابية التي شنها تنظيم القاعدة، واستطاعت الحكومة السعودية أن تتعامل معها بكل حكمة وحزم، وتمكنت من إضعاف التنظيم وتفكيكه أمنياً، والقبض على معظم خلاياه وخرج معظم عناصره لتستقر في اليمن مشكّلة تنظيما جديدا يدعى «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» وهو اندماج بين فرع تنظيم القاعدة السعودي وتنظيم الفرع اليمني.علي الرغم من أن تأثير الاحداث التي شهدتها المنطقة كانت تداعياتها على دول الخليج بدرجات متفاوتة إلا أنه لم تسلم دولة من الاحداث. فبناء على قاعدة البيانات للارهاب العالمي التي يتم جمعها وترتيبها من قبل الاتحاد الوطني لدراسة الإرهاب (START)، ومقره جامعة ميريلاند الأمريكية، إذ قامت بجمع عشرات المؤشرات لـ158 دولة على مدى السنوات العشر الماضية، فالإضافة إلى العمليات الإرهابية المعروفة التي ارتكبت على أراضي المملكة في الأعوام الماضية، فإن البحرين، وبسبب تصعيد أحداث العنف الطائفي وتأجيجها من قبل ايران وحلفائها، شهدت 26 عملية إرهابية في عام 2012. وفي عام 2013م 52 عملية إرهابية، الا انه انخفض في عام 2014 الى 41 عملية. وفي عام 2015 انخفض معدل العمليات الى 18 عملية ارهابية. اما الكويت، فلم تشهد أي عملية إرهابية منذ عام 2011 إلى عام 2014، إلا أنه مع حلول عام 2015 وقع بها تفجير في مسجد الإمام الصادق، وراح ضحيته حوالي 28 شخصًا. اما الامارات، فقد شهدت اول عملية ارهابية في عام 2013. وفي عام 2014 شهدت عمليتين. ولم تشهد أي عملية إرهابية في عام 2015. اما قطر فلم تشهد أي عملية إرهابية منذ 2012 إلى 2014، إلا أنه مع حلول عام 2015 وقع بها عملية واحدة. اما عمان، فلم تشهد أي عملية منذ عام 2012 إلى عام 2015، وبالتالي كما ذكرت فإن الاحداث اثرت على الامن والاستقرار. أما مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2016، الذي أصدره معهد الاقتصاد والسلام، والذي يتخذ من مدينة سيدني الأسترالية مقرا، ونشره في نوفمبر 2016، وهو يعتمد على قاعدة بيانات الإرهاب العالمي (START)، فإن دول الخليج شهدت ارتفاعًا نسبيا، فالسعودية حصلت على المرتبة 32 عالميًّا بدرجة 5.404 من 10، في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2016 بعد ان كانت في المرتبة الـ 42 عالميًّا بدرجة 4.006 من 10 في نفس المؤشر لعام 2015 مسجله بذلك ارتفاعا يُقدر بستة أضعاف في الوفيات الناتجة عن عمليات إرهابية مقارنة بعام 2014، حيث شهدت 48 هجومًا أسفر عن مقتل 107 أشخاص، وكان ذلك من أعلى مستويات الإرهاب التي تشهدها المملكة منذ عام 2000. اما بالنسبة للكويت فقد حصلت على المرتبة 37 بدرجة 4.449 من 10، في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2016 بعد ان كانت في المرتبة الـ 122 بدرجة 0.019 في نفس المؤشر لعام 2015 مسجلا بذلك ارتفاعا يُقدر بحوالي 10% مقارنة بالعام الماضي. اما بالنسبة لمملكة البحرين فقد حصلت على المرتبة 44 بدرجة 4.206 من 10 في درجة خطر الإرهاب، لعام 2016 بعد ان كانت في المرتبة الـ 30 بدرجة 4.871 لعام 2015 مسجلا بذلك انخفاضا يُقدر 0.665 مقارنة بالعام الماضي. فيما تمتعت باقي دول الخليج بقدر عالٍ من الاستقرار، حيث حصلت سلطنة عمان على صفر، وحصلت قطر على 0.23، كما حصلت دولة الإمارات على نسب مقاربة حيث حققت 0.422.وبالتالي فقد حولت احداث ما يسمى الربيع العربي وكثير من الشعارات البراقة المنطقة الى بؤرة ينطلق منها الارهاب سواء في العراق او سوريا او ليبيا او في اليمن ليتسللوا الى باقي الوطن العربي. وطالما ان هذه الدول التي شهدت الاحتجاجات لم تصل الى الاستقرار السياسي وتعمل على تأمين حدودها، فإن هذه الاحداث سوف تتحول من مجرد تهديد محتمل على دول الخليج ليصبح خطراً حقيقياً وواقعياً يستوجب تضافر الجهود وبشكل جماعي للتصدي لمثل هذه التداعيات الخطيرة.