الصدمة بالإعلام
تحتفظ هيئة الاذاعة البريطانية بتقرير مثير عن الزيارة التاريخية للقذافي إلى إيطاليا في العام ٢٠٠٩م، والتي جاءت على اثر توقيع الجانبين، الإيطالي والليبي اتفاق صداقة وشراكة وتعاون قيل انه كان الاعلان الرسمي لنهاية حقبة تاريخية من النزاع. تم توقيع الاتفاق في طرابلس في العام ٢٠٠٨م، المهم ان زيارة القذافي الى ايطاليا تضمنت صدمة للاعلام والرأي الايطالي حيث تسرب اثناء الزيارة ان القذافي جاء الى ايطاليا بهدف دعوة الإيطاليين والأوروبيين الى الإسلام معربا عن امله ان يصبح الاسلام الدين الرسمي في القارة الأوروبية.. مطالبة الرجل بهذا الامر جاءت على طريقته الخاصة حيث سربت وكالة اعلامية انها تولت توزيع مئات الدعوات لسيدات ايطاليات، لحضور لقاء مع القذافي، لاقناعهن بالتحول الى الاسلام، ووعدت الوكالة كل سيدة تحضر بمكافأة مالية مجزية مع وعود بمزيد من المكافآت بشرط ان لا يتحدثن الى وسائل الاعلام. الصحافة الايطالية تناولت كل ذلك بشكل احرج الحكومة الايطالية، حتى ان بعض الدعوات وصلت الى حد الطلب من الحكومة تغيير التعامل مع القذافي. وفي اقل تقدير عدم معاملته كضيف. مثل هذه التصرفات على غرابتها من الامور التي تفنن فيها الرجل سلوكا، وتفكيرا. وكان الاعلام احد الوسائل التي يمتطيها والتي شغف بها في تلك الفترة الى ما قبل مقتله في العام ٢٠١١م، وبعد الاعتماد على ادوات الاعلام المحلي الموجه بالدرجة الاولى الى الليبيين في الداخل والذي كان يسير في اتجاه واحد ينقل من افكار وآراء ومقترحات القائد الى الشعب بشكل متواصل، نجح الرجل في الاعتماد وفي لحظات واحداث مفصلية على ادوات اعلامية خارجية ابرزها قناة اخبارية برزت على الساحة العربية بقوة في نوفمبر ١٩٩٦م وكانت احدى نوافذ الرجل المهمة الى ما قبل قيام الثورة، وعلى الرغم من ان العلاقة بين الطرفين استمرت لسنوات، يبقى هناك نقاط غامضة في تلك العلاقة، التي ربما بنيت على علاقات ما مع اشخاص ومسؤولين في القناة او في البلاد التي تحتضنها. وعلى اي حال تبقى الطلبات الغريبة من النظام ومن يقف على رأس الهرم فيه متوقعا، وفي كل وقت مما يسبب لوسيلة اعلامية تحاول النزوع نحو المهنية والحرفية الاعلامية كثيرا من الاحراج، ولكن في العالم الثالث، وفي عالمنا العربي توجد دائما ابواب خلفية يمكن ان يُمرر منها الكثير. في تلك الفترة عرضت القناة الاخبارية المشهورة اعلانا مدفوع الاجر يستفيد منه النظام في عرض افكاره عبر المشاهدة العالية التي تحظى بها القناة عند المشاهدين العرب، ولكون المحطة حينها حققت قدرا من المصداقية الاقليمية. وكانت المرة الاولى التي يعلن رئيس دولة عن نفسه في وسيلة اعلامية حيث كان الاعلان يوجه المشاهدين الى موقع الكتروني عبر الشبكة العنكبوتية العالمية يتضمن افكاره ورؤاه ونظرته للعالم. الاعلان نشر على مدى شهر كامل، تحت عنوان « القذافي يتحدث» وكان من شروط الجانب الليبي ان يعرض الاعلان ثلاث مرات يوميا في وقت الذروة، وقيل ان الجانب الليبي الذي تفاوض مع القناة كان على استعداد لدفع اي مقابل مادي مقابل تحقيق رغبة الرجل. القناة الاخبارية اشترطت ان يصاحب نشر الاعلان التنوية بانه «مدفوع الأجر» في اشارة منها الى عدم تحمل مسؤولية محتوى الاعلان، او تبنيه. الاعلان ربما استوقف الكثيرين، رؤساء دول، اجهزة استخبارات، منظمات حقوقية وقانونية لغرابته. وتذكر مصادر ان المعارضة الليبية كانت احدى الجهات التي انتقدت ذلك التصرف من القناة، وكذا كان موقف بعض منظمات المجتمع المدني الاوروبية. القصص في تلك الفترة وفي هذا السياق لا تنتهي، ومنها ان القذافي في العام ٢٠٠٩م قرر ان يُعد شريطا سينمائيا ضخما يتناول فظائع الاحتلال الطلياني وما ارتكبته ايطاليا من جرائم في حق الليبيين، وتنقل مصادر ان كاتب القصة لذلك الشريط كان القذافي نفسه، واختير لاخراجه مخرج سوري، وكان عنوان الشريط « سنوات الظلم»، وقيل ان الاستعدادات الاولية انجزت، وبدأت نواة المشروع في روما! وكان هناك حديث عن فرق مساعدة للاخراج وفرق للملابس، وكتابة السيناريو وخلافه من العمليات الفنية البحتة، بأمل ان ينجز العمل خلال عامين. وكان المخرج السوري الذي حلم بمكاسب كبيرة من هذا العمل يصاب بالاحباط في كل مرة يأتي الى ليبيا لمناقشة سير العمل حيث كشفت له الايام برود حماس الجانب الليبي الذي كان في الواقع يعني ان القذافي غير رأيه في الموضوع برمته بعد توقيع اتفاق الصداقة مع الجانب الايطالي.القذافي كان يرسل الصدمات للناس في ليبيا وخارجها عبر الاعلام، وهو والنظام في تلك الفترة كانوا ينالون نصيبهم من صدمات الاعلام، حتى وإن كانت افعاله اي الاعلام صغيرة، وغير مقصودة. تروي بعض المصادر الاعلامية ان القذافي حين علم بأن القناة الاخبارية العربية الشهيرة عينت معارضا ليبيا كعضو في مجلس إدارتها، وبالمناسبة استمرت عضوية ذلك المعارض عامين كان حينها الوحيد من غير جنسية البلد العربي الذي يحتضن القناة، المهم ان القذافي ارسل لرئيس الدولة التي تحتضن القناة المسؤول عن ملف الاعلام في الخارجية الليبية في ذلك الوقت برسالة شخصية، وعاد للقذافي برسالة مماثلة من رئيس تلك الدولة طمأنته ان المنصب شرفي ولا يمكن ان يؤثر على سياسة القناة تجاه ليبيا. هذا التصرف يعكس الصدمة المضادة من الاعلام والمعارضة، خاصة وأن اعضاء المعارضة الليبيين في ذلك الوقت كان يصفهم النظام بأنهم حيوانات ضالة وأوصاف اخرى غير لائقة في مجملها. قد يستغرب البعض عندما يعرفون ان تلك المرحلة نبتت فيها تعليمات للتلفزيون الوطني الليبي عندما يتعلق الامر بتصوير القائد، وضيوف البلاد والوفود التي تقابل القيادة ان تتم اجراءات التصوير على نحو معين يكون فيه ظهور القائد صامتا، ولا يتحدث دائما، بحيث يظهر الطرف الاخر او الضيف هو الذي يتحدث، او هو الذي يطلب ويحاول الحصول على شيء. كان ممنوعا على كاميرات التلفزيون اخذ لقطات مقربة لوجه القذافي لتفادي اظهار التجاعيد التي بدأت تغزو بشرته. ولو دقق الناس في الكيفية التي كان التلفزيون الليبي يعرض فيها استقبال الضيوف لوجدوها نسخة وطريقة واحدة تتكرر عملية تصويرها وعرضها مع تغير الضيوف، حيث كانت التعليمات تنص على ان تظهر الوفود التي تسعى للقاء القائد الى الانتظار في الخيمة، ثم يتم ابراز لحظة دخول القائد ووقوف الضيوف للسلام عليه. ومن بعد ذلك تصوير لحظة اعطائه الاذن للجميع بالجلوس والعودة الى مقاعدهم. حركات لا يعرف احد من رسمها، وصممها ولكن الكل مقتنع انها تناسب سلوك الرجل الغريب الذي يفضل ان يبدو دائما المحرك الرئيس للاشياء من حوله.الناس في ليبيا وفي المنطقة كانوا يعلمون ان القذافي لم يكن على علاقة طيبة مع صدام حسين، والكل يعرف ان كلا الرجلين كان يضمر السوء للاخر ويحتضن معارضيه وربما يساعد اعداءه، الا انه بعد اعتقال صدام حسين من قبل الامريكان، ظهرت عائشة القذافي في نفس القناة الاخبارية العربية الشهيرة، بوصفها احد المدافعين عن صدام حسين. وأعلنت انضمامها لفريق الدفاع عنه. وكانت عائشة تتحدث في مكتبها وخلفها ثلاث صور لوالدها، ولعمر المختار، ولصدام حسين. كثير من رسائل تلك المرحلة بالاعلام، وعن طريق الاعلام كانت غير مفهومة، وغير مبررة، وقد تكون بحثا عن الاضواء وسلطة الاعلام، وقد تكون لأهداف غير واضحة لأحد حتى لمن يقومون بها احيانا.