ولكن.. هل نعرفه؟
«إن الموقف من التراث ليس موقفا من الماضي وإنما هو موقف من الحاضر، فبحسب موقفي من الحاضر يكون موقفي من الماضي، وليس العكس».هذا هو رأي المفكر الراحل محمود أمين العالم في كتابه «مواقف نقدية من التراث» الذي استعرض فيه قراءة كوكبة من المفكرين للتراث.. ومنذ ما يسمى عصر النهضة وحتى الآن، والأقلام والمؤلفات والمؤتمرات تعقد عن التراث.. والناس تقتتل تحت راية التراث.. أما الحاضر فهم قلة الذين التفتوا إليه.. إن الموقف من الماضي هو الذي يملأ الأسماع بالأساطير عن بطولات «لا يشق لها غبار» عن موقعة صغيرة مثل الموقعة المسماة «ذات العيون»، أما اليوم فترى المجازر بعينيك وقلبك فلا تلتهب جمرة الأسف أو بارقة من اعتزاز.من يكتب عن الحاضر يكتب بهمس مرتجف عن ملوحة البحر، وإذا تجرأ كتب عن فشل التعليم، أما الأشياء الحارقة لآمال الناس وتطلعاتهم فلا أحد يقترب منها.قيل: «التراث هو وعي التاريخ وحضوره الشعوري في الكيان الفردي والجماعي.. وهذا يعني أن التراث ليس كل ما وصل إلينا من الماضي، وإنما هو الذي وصل إلينا من الماضي وله خاصية الفعل في حياتنا وعلى أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا» وهذا نفس ما قاله العالم، أي إن التراث هو ذلك الذي نوظفه في حاضرنا ولحاضرنا وتحت رؤيتنا لهذا الحاضر.لكن لا بد هنا من الوقوف أمام سؤالين: هل نفهم التراث؟ وماذا وظفنا منه لحاضرنا؟أرى اليقين يسير أمامي حين أقول: إننا لم نفهم التراث فهمنا جمعيا، دون سلب الفهم عن أفراد قلة قديما وحديثا.. وسأضرب مثلا واضحا هو الفلسفة، فهل أثرت الفلسفة يوما ما بالمجتمع؟ أبدا.. إنها مرت غريبة بل صار رجمها عادة في كل العصور العربية.أما ماذا وظفنا من هذا التراث؟.. فأظن أننا وظفنا أسوأ ما فيه: وظفنا القبلية التي لم تفارق العالم العربي في كل تاريخه.. والذهنية القبلية هي ذهنية مغلقة، تعتبر نفسها في نهاية السلم «لها الصدر دون العالمين» وبذلك تبقى حيث هي تجتر أوهامها الماضية.ووظفنا الطامة الكبرى الطائفية المذهبية، وبذلك صار فهم الدين من النص هو الدين نفسه في حين أن النص من الطبيعي أن يختلف فهمه من فرد إلى فرد، ومن عصر إلى عصر. إن النص أي نص، سواء كان مقدسا أم وضعيا، نص صامت يستنطقه أي صاحب قدرة على فهم الخطاب، وهذا الذي يستنطقه خاضع لمستواه في العلم والفهم والعصر.