د. ابراهيم العثيمين

دول الخليج.. نحو تأسيس فكر استراتيجي خليجي

تعد كليات الدفاع من أعلى مراكز الدراسات العسكرية والاستراتيجية فيما يتعلق بموضوعات الأمن والدفاع والمفاهيم الاستراتيجية. فهذه الكليات تسعى الى توحيد وتطوير المفاهيم الاستراتيجية لدى المشاركين فيها سواء من القيادات الشابة المدنية او العسكرية وإعدادهم لمواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه الأمن الوطني وإيجاد الحلول المناسبة لها بنظرة شاملة ومنطقية تتضمن كل الأبعاد السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. ولما لدول الخليج من ضرورة في توحيد هذه المفاهيم لدى القيادة الشابة، فقد تمت الموافقة من القادة على انشاء اكاديمية خليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، وذلك بهدف تدريب القيادات الشابة الخليجية العسكرية والمدنية وإعدادهم وتأهيلهم ورفع مستوى فكرهم الاستراتيجي للتعرف على كافة التهديدات والأخطار التي قد تزعزع أمن واستقرار دول المجلس. وأن تكون مقرها دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى هذا الاساس فقد تم تشكيل لجنة مشتركة بدراسة انشاء هذه الاكاديمية، ووضع خطة عمل بمشاركة ممثلين من وزارات الداخلية والخارجية والدفاع، ومن المتوقع ان تنهي هذه اللجنة اعمالها في عام 2017. أنا أعتقد أن التوقيت السياسي لإنشاء هذه الاكاديمية في غاية الاهمية بل إنها ضرورة في ظل التحديات والتهديدات التي تواجه المنطقة والتي تتطلب مزيدا من توحيد الجهود لمواجهتها وتطوير المفاهيم الدفاعية والامنية لدى القيادات الشابة حتى تكون متجانسة ومتوافقة، مما سوف يعزز الثقة في قدراتنا الشابة ويزيد من وعيهم وامكانياتهم. فقد اصبحت المنطقة تعاني ازمات حقيقية اما على المستوى السياسي لكثير من الدول التي دخلت في نفق عدم الاستقرار السياسي او على المستوى الامني من خلال التنظيمات الارهابية التي اصبحت عابرة للقارات وتمثل تهديدا حقيقيا بل وكثيرا من الاحيان مصيريا او من خلال كثير من الدول التي اصبحت تستغل هذه الاوضاع للتمدد والتدخل واثارة مزيد من الفوضى خدمة لمصالحها. يمكن للأكاديمية الخليجية الاستفادة من نماذج متقاربة معها وتشترك معها في الهدف، وأعتقد ان كلية دفاع حلف شمال الاطلسي (ناتو)، والموجودة في روما بإيطاليا، اقرب مثال على ذلك. فهذه الكلية تعتبر من أهم الكليات العسكرية الدولية بالعالم. كان الهدف من انشائها تطوير التفكير الاستراتيجي للدول الاعضاء بالحلف بشأن القضايا السياسية والعسكرية. وكذلك إعداد وتأهيل قيادتها الشابة العسكرية والمدنية. بالإضافة الى إعداد الدراسات الأكاديمية والبحثية لدعم أنشطة التحالف. بقيت اكاديمية الناتو لأكثر من نصف قرن وهي تواظب على تحقيق هذه الاهداف من خلال تقديم الكثير من البرامج التعليمية والدورات التدريبية، واعتقد ان الاكاديمية الخليجية يمكن ان تستفيد من هذا التراكم الكبير لدى كلية الناتو والاستفادة من شراكتها الاستراتيجية مع حلف الناتو من خلال «مبادرة إسطنبول للتعاون» عام 2004، لعمل وتعاون مكثف في مجال التعليم، لوضع النواة والأساس لكثير من برامج الاكاديمية التي تخدم الاهداف التي حددتها الاكاديمية. كما يمكن للأكاديمية الخليجية كذلك الاستفادة من الكليات العسكرية العالمية المتميزة والتي أصبح لها باع طويلة في هذا المجال، مثل اكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية Royal Military Academy Sandhurst، والتي تعتبر من أعرق المدارس العسكرية في بريطانيا والعالم، تأسست في عام 1802 وتخرج فيها العديد من القيادات السياسية من دول الخليج والعالم. وهناك كذلك مدرسة دي سان سير الحربية The Spcial Military of Saint Cyr في فرنسا والتي تأسست في 1813 من قبل القائد العسكري نابليون بونابرت، وهذه ايضا من اعرق الكليات التي تخرج فيها نخبة من أهم القادة العسكريين الفرنسيين من أهمهم فيلييب بيتان والزعيم الفرنسي شارل ديغول. وغيرها كثير من الكليات المتميزة التي تصدرت التصنيف العالمي التي تستطيع الاكاديمية الخليجية الاستفادة من تجاربها الطويلة ومن برامجها المتطورة وكذلك من انظمتها. إلا أن هذا التراكم الكبير سواء لكلية الدفاع الناتو او الكليات العالمية العسكرية، لا تغني عن الاستفادة من كليات الدفاع الخليجية التي كثير منها له تجارب طويلة ويمكن الاستفادة منها في إصباغ الخصوصية الخليجية. * محلل سياسي وباحث في العلاقات الدولية