فهد السلمان

بضاعة القذف ودكان الخردوات

لن يكون الشيخ الذي اشتهر بالقذف بالجملة للعاملات في قطاع الصحة، وصولا إلى المبتعثات وأهاليهن، بدْعاً في هذا الواقع المشتبك والملتبس كالعهن المنفوش، ولن يكون آخر السهام التي ستنغرس بمفاجأتها بين أعيننا دون أن نحسن التصرف معها، ولن يكون هو الشطط الوحيد الذي يعجننا أو بعضنا على الأقل بالفكر المتطرّف، ثم يخبز على تنّوره شكلنا أمام الناس، لا.. لن يكون الأمر كذلك، طالما أن ساحتنا أصبحتْ «سمك- لبن- تمر هندي»، نحن أمام دكان يُشبه دكاكين بيع الخردوات، ففي هذا الرف ننادي بحرية التعبير التي نقيسها بالشبر وفق مزاجاتنا، ونعطي ما نشاء لمن نشاء، وفي الرف المجاور نثور ونطالب أن يكون هنالك «كمّيم» على كل فم، وحارس على كل منبر، وفي الرف الثالث نريد أن نبيع كل الحريات، وفي الرابع نريد أن نمنعها كلها أيضا، وفي الرف الآخر نرتدي الخصوصية، وفي الرف المجاور نرتدي ربطة العنق، خلطة لا أول لها ولا آخر، هي التي أوجدتْ الرف المناسب لشيخ القذف، والذي بالمناسبة لم يأت إلينا بمظلة من كوكب زحل، وإنما هو من نبت ذات الأرض، وهنالك من يجد فيما قاله عين الصواب، شئنا أم أبينا، لا.. بل هنالك من له قناعاته إنما فقط لم تلتقطها عدسة جوال، هذا كل ما في الأمر، بمعنى أن الشيخ الذي وزّع «قذائفه» على مجتمعات الطب من طبيبات وصيدلانيات وأخصائيات مختبر وأشعة وخلافه، وعموم المبتعثات، وبالتأكيد أهلهن ومحارمهن، ووصفهم بالدياثة، لم يكن له أن يخرج بهذه الثقة المطلقة لو لم يكن يعرف أنه يستند على ذلك الرف في دكان خردواتنا الذي نراه، ونعلم بوجوده سلفا، ولكننا نصرّ على أن نُغمض أعيننا عنه. لا يمكن فك الاشتباك بين المناداة بحرية التعبير، وبين تسلل مثل هذا الفكر المعتم، لا يمكن أن تطالب بعدم تكميم الأفواه، وبنفس الوقت في منع مثل هذا الغثاء حتى ولو لم يعجبك، وحتى لو كان يصدمك، إطلاقا لا يمكن ذلك، ما لم يتم إغلاق دكان الخردوات هذا الذي يبيع على السابلة كل شيء ودون ضوابط، وخارج رقابة حماية المتلقي، التي تتغافل عنه ما لم يصبْ بسهامه مطعنا واضحا لا يمكن تجاهله، خاصة وأن أول شروط حرية الرأي ألا يمثّل في مضمونه خرقا لقوانين الدولة أو المجتمع، لذلك ما لم يتم تدوين وتقنين الأحكام الشرعية من جهة، وإقرار منظومة متكاملة ونظام صارم لمواجهة أي فكر دوغمائي متأزم، ومحاصرة آرائه وفتاواه الشاطحة بقوة القانون لحماية المجتمع من الآراء الشاذة والمتطرفة، ومنع تغلغلها في الأوساط الأقل حصانة، فإننا سنظل نتلقى بضاعتنا من ذات الدكان الذي لا يعترف لا بتصنيف بضائعه، ولا بتواريخ صلاحية لمنتجاته، ولا ببضائع فاسدة أو مقلدة، لأنه يبيع الأصلي والمضروب بنفس الوقت والسعر، وسيكون كل ما نفعله بالنتيجة هو مجرّد ردود أفعال لمعالجة حالات التسمم من بضائعه الفاسدة التي تشتهر فقط، دون أن نحصي آثارها المدمرة خاصة غير المرئية منها على المجتمع بمجمله.