من يدفع ثمن مباراة الساس؟
إن كنت من محبي الكرة فلا تقلق فالساس ليس ناديا جديدا لم تسمع به. موضوعي اليوم هو عن الساس أو «الجدار» الذي نباريه أو نلزمه لئلا نثير الانتباه. أن تباري الساس يعني أن لا تحدث ضجة ولا تلفت النظر ولا تظهر بما قد ينقد عليك به. أن تباري الساس يعني أن تبقى الأمور على ما هي عليه وألا تحرك ساكنا. في المقابل أيضا تعني مباراة الساس أن لا يكون لك إنجاز تبرز به ولا خروج عن المألوف مما يعني قتل الإبداع.يأخذني الحماس كثيرا فتشعلني كلمة أو فكرة وتفتح لي آفاقا من الخيال والإمكانات والفرص. مرحلة وجيزة من التأثر والتفاعل مع ما حولي من أشخاص أو أفكار أو بذور للإلهام تجعل الصور لما قد يكون أمنية أو ما هو ممكن فعلا تتضح أمام عيني. هذه الصور بدورها أنقلها بشغف وحماس في حديث تتسابق فيه الكلمات التي لم يكن لدي الوقت الكافي لأرتبها محاولة مجاراة سرعة الأفكار. ابتسامة عريضة مع عيون براقة تكمل الصورة حتى أجد نفسي وكأن ماء باردا صب علي عندما أفاجأ ممن حولي بكلمة «طيب لماذا أنت متحمسة؟» أو «ما دخلك في الأمر؟» أو نصيحة بألا أقحم نفسي في متاهات أو تخوف من أن أحدهم سوف يتحسس من الأمر. ليس كل فكرة حماسية تثمر كشيء واقعي لكن تبادل الأفكار يعطي مساحة آمنة لتخيل مستقبل بديل وأفضل. ولكن هذه الأسئلة التي تستجوب وتمتص الحماس هي قاتلة له كونها الإبرة التي تفقع البالونة.المتحمسون يدعون للتغيير، وهذا أمر مخيف، فطبيعتنا أن نجد «مكان الراحة» (comfort zone) في حياتنا الشخصية والعملية ومن ثم نحاول المحافظة عليها. لا تحرك ساكنا وباري الساس. ولكن ما نغفله عندما نباري الساس هو أننا لا نتبع نصيحة فردية بل نتبنى عقلية وثقافة. فمن كان هذا أسلوبه المتبع فلن يجد من السهل الخروج عنه مستقبلا مهما كانت الدوافع. طاعة المدير المطلقة والامتثال مع الجماعة والدعوة لتوحيد الكلمة هي كلها أوجه لمباراة الساس. في بعض الأحيان يكون الأمر مفيدا وأحيانا أخرى مضرا وهذا يعتمد بالأساس على ما الذي نحاول أن ننجزه أو ما البيئة العملية التي نحاول أن نوفرها.الفكرة التي أود الدعوة لتبنيها هي فكرة «عدم الامتثال البناء» وهي فكرة طرحت في مجلة (Harvard Business Review) كأحد «الأفكار الكبيرة». المقصود بعدم الامتثال البناء هو السلوك الذي ينحرف عن القواعد التنظيمية والتوقعات العامة لصالح المؤسسة أي مخالفة المتوقع للوصول لأهداف المنظمة بطريقة غير تقليدية. فثمن مباراة الساس يدفعها الجميع من عاملين ومؤسسات وذلك من خلال انخفاض التفاعل والإنتاجية والابتكار. لا يكفي خلق بيئة فيزيائية جذابة إن كانت العقول التي تشرف عليها لا تخرج عن النمطية المعروفة ولا تشجع الابداع وإن كانت المحاسبة على عدم الامتثال شديدة فما الذي يمكننا أن نتوقعه؟إحدى البيئات المهمة التي يمكنها الاستفادة بشكل كبير من هذا المبدأ هي البيئة الأكاديمية كونها تمثل الحاضنة لتقدم العلوم والتسابق في صنع المعرفة والابتكار أو هذا على الأقل ما نطمح إليه. لكن الفجوة الكبيرة بين المأمول والواقع في المجال الأكاديمي قد يكون سببها الامتثال المطلق ومباراة الساس. فبدلا من الركل من تحت الطاولة والغمز للإشارة بأن الحديث المطروح أخذ منحى قد لا يكون مرضيا للمسؤولين يجب أن يتم التشجيع على التعبير عن الآراء المغايرة للمألوف والسماح لمن يعبر عنها أن يحس بأنه في مأمن عند طرحها. ما فائدة قاعة مليئة بالأشخاص كلهم يؤكد صلاحية فكرة واحدة دون دراسة لبديل لها. في جامعات الغرب ينظر للأستاذ الجامعي على أنه صاحب فكر حر وأحيانا كشخص ثوري قد يتضارب بشدة مع أهداف وأفعال مؤسسته التعليمية التي ينتمي لها. مؤسسته لا تحس بالتهديد من وجوده وهو لا يشعر بالتهديد لأمنه الوظيفي. ولكنه في بيئة مهيأة يستطيع أن يحتفظ بمبادئه ويقدم الجديد في مجاله العلمي ويبدي آراءه التي إن لم تعجب فلا تفتعل الامتثال الخطير الذي نعاني منه. عندما نصفق جميعنا لفكرة ولا نسمح لأنفسنا بالتعبير عن بديل لها فنحن بارينا الساس وسوف ندفع الثمن الباهظ عاجلا أو آجلا.