التلوث الرقمي
لم تعد العوامل المؤثرة في البيئة في عالم اليوم هي العوامل الطبيعية المعتادة والتي اعتدنا أن يتحول أيّ منها من نعمة مستحبة إلى نقمة يرفع العباد إلى الله الأكف للنجاة من أخطارها؛ ذلك أن العوامل المؤثرة في البيئة التي يحياها الإنسان هي العوامل التقليدية التي اعتدنا عليها طوال القرون الماضية فهي أيضًا اعتراها التغيير والتبديل. والعالم الرقمي اليوم الذي استجد ولا يزال يعد الأخطر في تعزيز نفوذه إيجابًا وسلبًا في حياتنا؛ هذا العالم أيضًا جلب معه مزيدا من المؤثرات في حياتنا، ولطالما بهرنا هذا العالم بآثاره الإيجابية التي طالت معظم جوانب الحياة، فنقلتنا في كثير من الأحيان إلى آفاق أرحب ووفرت الجهد والوقت وسهلت الكثير من الأمور والأعمال والمعاملات، ولذلك رأينا كثيرا من المجتمعات النامية ناهيك عن المجتمعات المتقدمة تعمل ليل نهار على الانتقال عبر هذا العالم مستفيدة مما يوفره من أسباب أدت فعلا إلى تحسين بيئة الحياة وظروفها حتى بات التحول الالكتروني أو الانتقال إلى ما يسمى الحكومة الالكترونية في سائر الخدمات هدفًا تسعى إليه الأمم والشعوب، طبعًا إضافة إلى توظيف التطبيقات الالكترونية في الصناعة والتجارة والطب والتعليم والمواصلات وسائر مناحي الحياة. وكما قلنا عن العوامل والمؤثرات البيئية الطبيعية الأخرى التي ينقلب بعضها إلى تلوث يؤدي إلى كثير من الأوبئة والأمراض والكوارث فإن البيئة الالكترونية التي غدت سمة غالبة لعالم اليوم هي أيضًا سرعان ما يمكن أن تتحول إلى تلوث رقمي لا يقل خطره عن غيره من أسباب التلوث إن لم يزد عنها نظرا للسرعة التي يتم فيها انتقاله تمامًا بنفس السرعة التي تعم فيها فوائده وإيجابياته، لكن آثاره السلبية هي أيضًا ليست أقل تعددا؛ تمامًا كما أن آثاره متعددة وشاملة في كثير من المجالات فإن أخطاره ومؤثراته السلبية هي أيضًا كذلك، وربما يظهر لنا ملوث آخر كل حين كما يظهر لنا أيضًا كل يوم مستجدات في هذا العالم السريع التجدد كذلك. ولو أردنا أن نعد ذلك لما أحصينا له عددا فمن القرصنة الالكترونية التي لم تقتصر على حقوق التأليف والاختراع والإبداع وحقوق الملكية الفكرية، بل إلى القرصنة على الحسابات البنكية والأسرار الشخصية واستخدامها في الابتزاز المادي والتحرش الجنسي، بل حتى التحرش بالأطفال والتجسس وبث الشائعات المغرضة التي تهدد أمن الدول والأمم والشعوب، وبهذه المناسبة أود أن أنبه لما تتعرض له بلادنا هذه الأيام من محاولات الإساءة وبث الفتن والأخبار الكاذبة لإذكاء الخلافات والاختلاف وزعزعة ثقة المواطن بقيادته والتشكيك بأمن الوطن واستقراره ومؤسساته الأمنية والاقتصادية في وقت نحن أكثر ما نكون فيه حاجة إلى اللحمة والوحدة الوطنية والوقوف وراء قيادة الوطن المخلصة أمام كل محاولات شق الصف الوطني ولا أعتقد أن ذلك يخفى على كل ذي بصيرة من أبناء الوطن. وإذا كنا نتحدث عن التلوث الرقمي وأخطاره فإننا لا ندعو بأي حال من الأحوال إلى عدم الأخذ بكل أسباب التحديث والتطوير والاستفادة من مكتسبات عالم اليوم في مجالات التقنية كافة فإن ذلك لا يمكن أن يدعو إليه عاقل، لكن ينبغي في نفس الوقت التحوط واكتساب المناعة ضد التأثيرات السلبية، خاصة في المجالات الفكرية والاجتماعية التي غدت القاسم المشترك فيما نشكو منه جميعًا من الآثار السلبية ومنها ضعف العلاقات الإنسانية والتواصل بين أفراد المجتمع بسبب الانشغال باستخدام وسائل التواصل الالكتروني في غير المفيد مما يضيع الأوقات ويأخذنا بعيدا ليس عن أعمالنا وواجباتنا بل عن أحبابنا إلى أمراض اجتماعية ونفسية بسبب هذا التلوث الجديد كما ذكرنا من قبل: التلوث الرقمي.