أنا أعترض.. ليه معرفش !
العنوان عبارة للفنان سعيد صالح من مسرحية (العيال كبرت). وهو يعترض كي لا يقال عنه إنه لا يفهم. وعندما تُذكر كلمة «أعترض أو أعارض» تخطر على بالي ثلاثُ صيغ للمعارضة كل واحدة منها لا تشبه الأخرى. الصيغة الأولى هي المعارضة في نسختها الأصلية، وهي معارضة منتجة. ولا تكون المعارضة السياسية كذلك إلا إذا استوعبت دورها الإيجابي المتمثل في المساندة والدعم والمشاركة الإيجابية في صنع القرارات التي تحقق النفع العام، ولن تكون كذلك إلا إذا بنيت على أساس من الوعي والاتزان وسلامة النوايا. وهو ما يميز المعارضة السياسية في نسختها الأصلية عن غيرها، بالرغم من بعض المآخذ البسيطة. في أوساط هذه المعارضة يلتزم المتنافسون بأصول اللعبة، ويقبلون بنتائجها، فيقرُّ المنافس بالهزيمة، ويهنئ منافسه بالفوز، ويتم تبادل المواقع والأدوار بسلاسة ويسر. وهي صورة من صور التمدن التي لا تعكسها المعارضة في صيغتها الثانية. الصيغة الثانية من صيغ المعارضة هي النسخة الخاصة ببعض بلدان العالم الثالث التي لم تستوعب قواعد اللعبة، والتي تختزل العملية الديموقراطية في صندوق الاقتراع وحده. وهي ماهرة في المناكفة والمماحكة، ومن طبيعتها عدم القبول بالهزيمة. فإذا لم تحقق الفوز شككت في نزاهة التصويت. وهي نادرا ما تكون معارضة سلمية، وحين تكون كذلك فإنها لا تؤمن بمبدأ تبادل الأدوار. في أوساط هذه المعارضة يعمل المعارض بالمبدأ القائل: «إذا لم أكن معكم فأنا ضدكم»، وضد مشاريعكم حتى لو كان في تلك المشاريع ما يحقق التقدم والرخاء. وقد يعمل بالمبدأ القائل: «أنا ومن بعدي الطوفان». والطريق إلى الطوفان يبدأ بعسكرة المعارضة. وهنالك معارضة شغلها الشاغل فرض قناعاتها على الناس. وما أن يعلو صوتها وترجح كفتها حتى تعيد الحياة إلى الوراء. وربما ركزت على ما هو هامشي لا يلامس احتياجات ومطالب الناس الحقيقية. وقد تدق مسمارا في نعش التعايش والتنوع الاجتماعي والسياسي. وباختصار أكثر بلاغة قد يتمخض الجبل فيلد فأرا. وقد لا يلد شيئا على الاطلاق. هذا ليس خيالا بل حصيلة تأمل في فتوحات برلمانات بعض بلدان العالم الثالث. مثل هذه المعارضة، وكما قلتُ في مقال سابق مستشهدا بقول الشاعر أبي فراس الحمداني، لا ترى منطقة وسطى بين «الصدر أو القبر» يمكن القبول بها، بل تسيرها «نزعة التغالب» التي تناولها علي الوردي في أحد كتبه. وهي - كما قلت عنها في مقال بعنوان INS & OUTS - امتدادٌ لثقافة جُبلت على حب الهيمنة والتفرد في اتخاذ القرار، وعلى التصلب الذي يختصره الشاعر العربي بقوله: «وأنَّا لنْ يُقَوِّمَنا ثقافٌ.. ولا دُهنٌ إذا نحن التَوَيْنَا»! أما أجمل صيغ المعارضة، فهي المعارضة المنتجة التي تصنع التوافق والتناغم والانسجام. وأعني بذلك المعارضة الأدبية. حيث يحاكي أديب بعمله الأدبي، عملَ أديب آخر فيضيف إلى عالم الإبداع أثرا أصيلا. وبخلاف عين ميدوزا - أو السياسة - التي تحجر كل ما تقع عليه فإنه «يمكن لحصاة عادية في حياتنا اليومية أن تصبح جوهرة ساطعة إذا ما نظرنا إليها عبر العين السحرية للأدب» كما يعبر نابوكوف. وفي حين يسعى الأدب والفن إلى مقاومة تصلب الواقع قد تساهم السياسة في تكريس ذلك التصلب. «كأنَّ ميدوزا التي بنظرةٍ خاطفةٍ / تحوّل الأشياء أحجارا / قد استعارتْ سحرها من عينها / فحجَّرت حياتنا / ليصبح الحاضر أطلالاً وآثارا»! (النص من ديوان شعر للكاتب لم يصدر بعد).