كلمة اليوم

ترامب.. صورة المرحلة

قد تكون إدارة باراك أوباما غير الحاسمة قد تسببت في زعزعة صورة أمريكا، القوة الأولى في العالم، أمام الناخب الأمريكي، فعلى مدى ثماني سنوات، ورغم ضخامة الأزمات داخليا وخارجيا، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، إلا أن الإدارة الأمريكية كانت بشهادة الإعلام الأمريكي نفسه، ومراكز البحوث هناك، أدنى من أن تسجل لذاتها نصرًا حاسمًا يمكن أن يُعتدّ به، إلى الحد الذي أخذ فيه اتفاق النووي الإيراني على هشاشته، وملف التأمين الصحي، وقتل ابن لادن، وتحسين العلاقات مع كوبا رأس قائمة الإنجازات، في الوقت الذي ظلت فيه صورة أمريكا البلد القائد في أدنى مستوياتها. هذه المشهدية ربما تكون واحدة من بين الأسباب التي دعت الناخب الأمريكي، الذي لا يعول كثيرًا على آراء النخبة؛ لأنه يتعامل مع الوقائع والأحداث كما هي، إلى البحث عن شخصية تتساوق بشكل ما مع صورة الحلم الأمريكي، التي كانت تسوّق لها حلبات المصارعة، من خلال الرجل الحاسم والقوي أو حتى المتهور إن لزم الأمر، طالما أنه سيأتي بالانتصار لهذه القيمة التي تعتز بها ثقافة الكوبوي، وبالتأكيد فإن شخصية ترامب المصارع ستحتل المقدمة في الذهنية التي تفكر بهذه الطريقة، لا سيما أن هذه الشخصية «العضلية»، أضافت في خطابها الانتخابي مسألة المهاجرين من المكسيك وسواها ممن تعتقد هذه الشريحة من الأمريكيين البيض أنها قاسمتهم أرزاقهم، أو اختطفت لقمتهم من بين أيديهم، هذا وحده يكفي لدس اسم ترامب في ورقة الاقتراع بعيدًا عن أعين استطلاعات الرأي، يُضاف إلى ذلك شريحة واسعة أخرى كانت ترى كيف تتردد الولايات المتحدة في حسم الأمور في المناطق المشتعلة، وكيف تقدم خطوة وتعيد أخرى أمام روسيا وإيران، وحتى أمام ميليشيات كداعش وحزب الله، كل هذا شكَّل في النهاية رصيدا جاهزا لاستدعاء صورة المصارع، الذي أراد الناخب أن يأتي من خلاله بزعيم يكون على قدر صورة المرحلة. لكن ما ينبغي أن نتنبه له أن السيد ترامب ومن خلال فيديو له مطروح على اليوتيوب كان يخطط منذ ثلاثة عقود للوصول إلى السلطة، وهو رجل أعمال بارز وكبير، ولا بد أنه اختبر كل خفايا المناكفات السياسية وإن لم يمتهنها، حتى توصّل للكيمياء أو الخلطة السحرية التي تستطيع أن تنقله إلى المكتب البيضاوي فاستخدم لكل شريحة اللغة التي تناسبها، وتدفعها لتأييده، وهذا لا يعني أنه لن يتبنى تلك الشعارات التي أطلقها خلال حملته الانتخابية أو بعضها على الأقل، كما أنه بنفس الوقت لا يعني أنه سيعلن الحرب على ثلاثة أرباع العالم، والجميع استمع إلى خطاب النصر، وكيف استطاع أن يصل إلى لغة معتدلة تجنبت لغة التشنج التي كانت تمثل حاجة مرحلة لا أكثر ولا أقل. وهذا الكلام لا نسوقه من باب تجاهل المتغيّرات الكبيرة في المزاج الأمريكي، والذي أصبح حقيقة ناصعة، وليس أدل على صحتها من ارتفاع نغمة التوجّس من بعض الأصوات حتى من أقرب حلفاء أمريكا في داخل الاتحاد الأوروبي، وإنما لنؤكد أننا في هذه المنطقة قد يتسنى لنا في وصول السيد ترامب ما يدفعنا لأن نكون أكثر التفافًا حول قضايانا، لهذا ينبغي ألا نغلب الرؤية التشاؤمية، فقد يكون في وجود قيادة حاسمة في البيت الأبيض ما يفضي إلى المساعدة في حل الكثير من المشكلات، وإيقاف التدهور.