الانغماسيون.. صورة حديثة للحشاشين
ظهرت في الميديا خلال فترات انقلاب القيم في عصر التدين الزائف مقالات ومقاطع تنضح بالعنف، مضمخة بدماء الأبرياء، التي لا يلقي لها أولئك المزيفون بالاً، ما دامت ربما توصلهم إلى مصالحهم الآنية، وتحقق لهم راحة خيالاتهم المريضة. لكن أشدها وضوحاً، وأكثرها دناءة، ما ورد على لسان إحدى تلك الجماعات المنتكسة في فهم الحياة وفي إدراك قيم الإنسانية؛ وهو إرهابي يطلق عليه المحيسني. وذكر أثناء صراع السوريين (حكومة ومعارضة) على مدينة حلب، أن لديه ألف «انغماسي»، كانوا قد دخلوا معه إلى ما تبقى من مدينة حلب المنكوبة (التي كانت يوماً ما عاصمة سوريا الاقتصادية)، وأن موعدهم (لا أدري من كان يتوعّد، لكنه بالتأكيد سيكون بالتفجير والعمليات الانتحارية) في الميدان العسكري، إلى آخر تلك التهديدات والمبالغات العنجهية. لكن المهم في الموضوع هو وصفه لأولئك «بالانغماسيين»، وربما سمع كثير منا بهذا المصطلح من قبل في وصف من يفجرون أنفسهم في جموع المدنيين، وأحياناً داخل دور العبادة أو عند مداخلها، خاصة في البيانات التي تصدرها داعش عن عمليات في السعودية. فماذا يعني هذا المصطلح، وما علاقته بالأعمال الإرهابية في التاريخ الإسلامي؟ بالطبع أن من قرأ تاريخ الشرق الإسلامي في القرن السابع الهجري وما بعده، سيكون قد اطّلع على تاريخ جماعات امتهنت أعمال العنف والجريمة المنظمة تحت غطاء ديني محكم الجوانب، وأشهرها تلك التي كان يرأسها «حسنِ صباح»، وهي ما أطلق عليه في مدونات التاريخ «جماعة الحشاشين»، أو Assassines في المدونات الغربية. فما الفرق بينهما؟ وما مرجعية كل منهما؟ في الواقع أن الفرق كبير، رغم اشتراكهم في المهنة، وفي آليات التنفيذ بصورة عامة، وفي المرجعيات المبدئية، التي ينطلق منها الفريقان. فجماعة الحشاشين آنذاك كانت مماثلة ربما لفرق الكوماندوز، التي تضعها بعض الدول تحت تصرف الاستخبارات الخارجية، لتصفية الخصوم، بمهنية عالية، وسرية في العمل، وإتقان في التنفيذ. ولأن عوامل التدريب لم تكن ممكنة في ذلك الوقت، فإن اللجوء إلى تسخير الدين لخدمة أغراضهم في تجنيد الأفراد، واستمرارهم بروح عالية هو الذي صنع بديلاً من مستوى الكفاءة التدريبية، إذ حتى لو مات منفّذ العملية، فإن الجنة هي طريقه للحصول على تعويض دائم بالسعادة في الحياة الأبدية وفق لوائح ذلك التنظيم. أما الحشاشون الجدد، فهم -وإن كانوا يستخدمون الأيديولوجيا نفسها، والوعود بالجنة والحوريات على وجه الخصوص- فإنهم لا يفتقرون إلى التدريب الجيد خلافاً لأسلافهم قبل عدة قرون؛ فلديهم أفراد متميزون في بعض المهارات العصرية من تقنيات الحاسب والتصوير، وكثير من قدرات التسويق، التي تجعلهم يحصلون على متطوعين جدد، حتى من القارة الأوربية المتحضرة. أما المرجعيات، فهي في كلتا الحالتين أيديولوجيا دينية تعتمد على بعض النصوص الإسلامية، ولها من الجاذبية لأصحاب العاطفة الدينية، أو من يتشبعون بالتمرس بطقوس دينية يومية، معتمدين على فكر من يعلمهم ويوجههم، دون إعمال العقل فيما يسمعون أو يقرأون. لكن نسخة داعش، التي نقحتها الجماعات الجهادية، بدءاً من فكر حسن البنا والمودودي وسيد قطب، مروراً بالسلفية الجهادية، وانتهاء بالقاعدة التي وجدت في ظروف الإحباط الذي عمّ المجتمعات الإسلامية، والمواجهة مع العالم المتحضر (والغرب المسيحي على وجه الخصوص) فرصة لإيغار صدور الشباب المتحمسين، الذين ملأ المنظّرون المتواطئون معهم أذهانهم بالكراهية لكل من يختلف عنهم، فأصبح قطاف الثمرة سهلاً على مستقبليهم في معسكرات التجنيد، أو حتى في الفضاء السيبراني، الذي برعوا في استغلاله بدهاء؛ مما أعطى الخلف الداعشي ميزة عن السلف الحشاشي.