د. مبارك الخالدي

الأسطورة لم تمت يا سيد حسين العطّاس

رحم الله سيد حسين العطّاس (1928-2007)، الماليزي المركب بهارمونية مدهشة من أكاديمي وسياسي وعَالِم اجتماع، ورائد أسهم في شق الطريق إلى نقد الإمبريالية وتحليل الخطاب الاستعماري. كان حضوره في الذهن حتميًا والفضاء يزدحم بالتغريدات والكتابات الناقدة والمتهكمة والمعبرة عن الاستياء ممن وصم المواطن بالكسل، «ثم أدبر يسعى»، غير عابئ بما أحدثه من عطب وأذى نفسيين. كان ذلك حدثًا، لحظة استدعت خلالها الذاكرة بطريقتها الغامضة البروفيسور العطّاس وكتابه القيم (أسطورة المواطن الكسول: دراسة لصورة الماليزيين والفلبينيين والجاويين من القرن السادس عشر الى العشرين ووظيفتها في إديولوجية الرأسمالية الكولونيالية، 1977).إن الإنسان في جنوب شرق آسيا، كالإنسان في أي مكان آخر من الكرة الأرضية، ليس مجبولًا على الكسل، لكن «الإديولوجيا الاستعمارية»، يقول العطّاس في تحليله العميق والمضيء لهذا الجانب من علاقة المُسْتَعْمِر بالمُسْتَعْمَر «استخدمت فكرة المواطن الكسول بهدف تبرير الإكراه والممارسات الجائرة في تحريك العمل في المستعمرات» ص(2). ويضيف: إنها عمدت الى رسم صورة سلبية للسكان الأصليين ومجتمعاتهم؛ صورة يراد بها تسويغ وإضفاء العقلانية على إخضاع المنطقة للسيطرة الأوروبية. يتوازي مع هذا إجماع القوى الاستعمارية على ترويج أن نموذج الحكم الغربي والثقافة الغربية متفوقان على نظيريهما الآسيويين، وبالتالي فالأوروبيون هم الأولى والأحق بحكم العالم، لأنهم الأقدر على استغلال ثروات الشرق، والأفضل في إدارته. استهانت الإديولوجيا الاستعمارية بقدرات المواطن الآسيوي وقللت من أهميتها، واستخدمت كل ذريعة ممكنة لاحتقاره، وتشويه كل ما له صلة به وفيه، بما في ذلك حجمه وملامح وجهه. ص(7) لم تكن «أسطورة المواطن الكسول» سوى آلية من آليات السيطرة التي تطلب إنتاجَها مشروعُ الاستغلال الاستعماري للمنطقة. فعلى سبيل المثال، لم يكن الماليزي كسولًا بطبيعته، لكن رفضه لأن يكون أداة في نظام الانتاج الاستعماري، تجنبه للعمل في مزارع المُسْتَعْمِر، وحرصه على تفادي الاستغلال، ورفضه أعمال السخرة التي كان يكره المهاجرون الصينيون والهنود على القيام بها. ص(70)، كانت الخيوط التي نسج منها المُستعمرُ الأسطورة.اللافت أن «أسطورة المواطن الكسول» لم تمت مع أفول السيطرة الأوروبية بنموذجها الاستعماري، كما لم تكن محصورة في جنوب شرق آسيا. فلقد كشفت الأيام قدرتها على الانبعاث بصيغ مختلفة في سياقات وظروف مكانية وزمانية مختلفة، وعلى التقنع بأقنعة تتحدد وفقًا للأهداف والغايات. فهي متوارية خلف إدعاء القطاع الخاص أن المواطنَ كائنٌ غيرُ منتج، ولا يلتزم بأنظمة العمل، أو خلف الإدعاء بأن قدراته لا تلبي متطلبات العمل، مع أن جُلّ ما برع فيه هذا القطاع هو تحويل البلاد الى صالة كبيرة لعرض منتجات الأجنبي؛ فلم ينتج السيارة، ولا الطائرة ولا الكمبيوتر ولا الموبايل إلخ إلخ. وما قد ينتجه من أجهزة وآلات هو تجميع لقطع تجلب من الخارج، إلى درجة أن المناديل الورقية تستورد على هيئة رزم من قطع كبيرة تُقطّع وتعبأ في علب تسوق على أنها صناعة وطنية.إن دوافع ترويج القطاع الخاص للأسطورة تحت أي قناع معروفة، ويمكن بلعها على مضض، لكن الطامة الكبرى هي عندما يفكر ويتكلم المسئول عن مؤسسة لتوظيف المواطن بعقل وبلسان أجنبي!