خفض الرواتب فرصة لإدارة الاستهلاك والهياط؟!
قرارات مجلس الوزراء التي ألغت بعض البدلات قد تكون إيجابية وتساعد في الحد من (الهياط) داخل وخارج (السعودية)، فقد تحول الشعب السعودي إلى شعب (استهلاكي) من الدرجة الأولى. أذهلني مشهد الناس وهم يتكدسون على المحال التجارية والمطاعم والمقاهي أغلب أيام الأسبوع!!سألتُ نفسي، وأنا أتابع هذه الحركة (الدؤوبة) من أين يأتي الناس بالمال؟! فالقوة الشرائية عالية خاصة في المطاعم والمقاهي والأسواق، صحيح أن هناك أزمة في عدم وفاء وزارة الإسكان ببناء مساكن للناس وتحكم مجموعة من الأثرياء وأصحاب المال في أسعار الأراضي والعقار ساهم في زيادة ثراء فئة معينة من الناس لا يتجاوز عددها 5% من السكان، بينما 70% من المواطنين تحت خط المتوسط وحرموا بسبب هذا الاحتكار من الحصول على أهم متطلبات حياتهم وأسرهم وهو السكن المناسب في المناطق التي تتوفر فيها الخدمات، والتي ما زالت فيها ملايين الأمتار المربعة من الأراضي بيضاء وخالية وسط مدننا، وصحيح أن المستشفيات تُعاني من الزحام والمواعيد الطويلة المملة وصحيح أيضا أن الكثير من طلاب وطالبات الجامعات يتعرضون لضغوط اقتصادية نظرا لضعف مكافآتهم الشهرية غير المنتظمة والتي لم تتعدل منذ 50 عاما، وصحيح أن هناك بطالة قد تقودنا إلى انحرافات مزعجة إلا أننا شعب (مستهلك)؟!أتعاطف مع الموظفين الذين أُلغيت بعض من بدلاتهم وأنا واحد منهم ولكن أعترف أيضا بأننا نحتاج إلى إعادة نظر في كثير من سلوكياتنا الاستهلاكية التي نمارسها في بيوتنا ومناسباتنا المختلفة، والتي تصل في الكثير من الأحيان إلى درجة التبذير والإسراف المحرم في ديننا الإسلامي وهذا يوضح أن الاعتدال في الاستهلاك أمر مطلوب وضروري ومفصلي، ويجب أن نوليه كل الاهتمام ونأخذ بكل أسبابه، خاصة في الظروف الراهنة التي تشهد انخفاضا في أسعار النفط وتشهد تقلبات اقتصادية مخيفة تدفعنا إلى التفكير جيدا في نظام استهلاكنا المفرط والكبير الذي يستهلك معظم دخلنا، علما أن الكثير من مشترياتنا ليس لها حاجة ملحة، وبعضها يُتلف وتنتهي صلاحيته دون أن نستعمله وجلها يذهب إلى حاويات النفايات ومشكلة الإفراط في الاستهلاك تبدأ من المرأة في منزلها، بل هي التي تستطيع أن تتحكم في الحد من الإسراف غير المبرر، لأنها تمثل الحكومة المنزلية لذا يجب أن تحرص على إعداد بناتها على كيفية إدارة بيوتهن عند الزواج، والتخلي عن مظاهر الإسراف التي لها دور كبير في فشل الكثير من الزيجات في الوقت الحاضر!.اليوم وبعد تخفيض رواتب الموظفين نحن مطالبون بتكريس ثقافة جديدة للاستهلاك في مجتمعنا، خاصة أننا نعتمد على الاستيراد من الخارج لمعظم احتياجاتنا، وهذا يشكل خللا في ميزاننا الاقتصادي، وبالتالي فإن أي مبالغة في الاستهلاك ستكون على حساب دخلنا واقتصادنا العام والخاص.وفي تصوري أن محاربة غلاء الأسعار وارتفاعها المستمر لن يتحقق مادام هذا أسلوبنا في الاستهلاك والبذخ والتبذير المفرط، لأن الناس لو خففت الضغط على السلع التي تشهد ارتفاعا مع مرور الوقت ستنخفض أسعارها، بسبب قلة الطلب عليها، وهذا يمكن أن ينطبق على أي سلعة ضرورية أو كمالية، أعود إلى إلغاء البدلات فكيف سيعيش المواطن الذي راتبه (3000) ريال؟ وأقترح على كل مسؤول إذا أراد أن يعرف الوضع على حقيقته أن يخرج إلى الشارع ويطلع على ذلك بنفسه، لتكون خططنا ومعالجاتنا للسلبيات والمشاكل الاقتصادية مبنية على الواقع والمشاهدة والملامسة لها بشكل مباشر، المشكلة في بعض أصحاب النفوذ أنهم يغلبون مصالحهم الشخصية على المصالح الوطنية، وهنا تكمن المشكلة في كل ما نراه من سلبيات لأن سياسة التسويق المتبعة عندنا تشجع الناس على أن يكونوا مستهلكين، وهذا لأننا لم نعمل على التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج، إضافة إلى أن عملنا لنقل تجارب الدول المنتجة بطيء وغير متكامل، وهذا يتطلب مراجعة سريعة لخططنا المستقبلية لتحقيق برنامج 2020 ورؤية 2030، حتى يمكن أن نتحول إلى الإنتاج الحقيقي المعتمد على سواعد أبنائنا وليس العمالة الوافدة.