سكينة المشيخص

الانهيارات السلوكية في «تويتر»

حرية التعبير تدخل فضاء أن تكون قضية، لأن المتغيرات التي تحيط بها في مجتمعاتنا تجعل منها موضوعا لقضية رأي عام، يتبلور بصورة سلبية لا علاقة لها بضوابط الحوار والحديث وإبداء الرأي، وإنما تنزلق إلى مسارات جدلية، تحتك مع ما يمكن أن يتكيف جنائيا مع حيثيات القذف والاتهام والتجريح والإساءة الشخصية والاجتماعية وحتى الوطنية، وبنظرة إلى سطح التغريد في موقع تفاعلي مثل «تويتر» يمكن اكتشاف الكثير فيما يختص بتواضع أساليب الحوار وتبادل الآراء وانحراف الفكر والقول واللفظ إلى متاهات غير لائقة. تلك الحرية نعمة كبيرة أقرب لأن تتحول إلى نقمة، ولا أريد أن أبدو قاسية إن قلت إنها أصبحت داء فكريا وسلوكيا يتمكّن من خلاله كل شخص من ملاحقة الآخرين بما يسيء لهم، وإن كان في الواقع يسيء إلى نفسه ويقدمها بصورة مبتذلة، خاصة من يتسترون خلف الأسماء المستعارة، الذين يجدون شجاعة أكبر في الطفح بقاموس متواضع من الألفاظ وآراء غير واقعية وانطباعية لا تخلو من السذاجة والسطحية، وذلك للأسف يتناقض مع المبدأ الإثرائي الذي يفترض أن يتفاعل في المواقع الاجتماعية، بحيث ترتقي الأفكار وتتهذب اللغة الحوارية عبر التغريد، وصولا الى استواء نفسي وعقلي يتوازن فيه الشخص بحيث لا يصدر منه قول قبيح وذميم وينتهي عن الإساءة والتجريح والاتهام. تلك التقنيات تواكب تطور العقل البشري ولا يمكن أن نتصور بأنها تسهم إلى هذا الحد من انهيار بنيتنا المعرفية والإنسانية والمجتمعية، فذلك يجعلها موقعا خطرا لهدم إنسانيتنا حينما نستمرئ ملاحقة الآخرين بمنهج سلبي لا يراعي العيب والخطأ فيصبح ذلك سلوكا في طروحاتنا أو يكتسبه من لا يجدون مناعة ضد الإساءات ومعرفة كيفية إبداء الرأي واحترام الرأي الآخر أو القفز على أفكار الآخرين دون تمعن، وكل شخص انطباعي لا يعرف كنه رأي أو فكر الآخرين إنما هو نسبيا ساذج وضعيف الفكر، لأنه بالمنظور الديني والإنساني والعرف الاجتماعي لا يمكن أن نحمل على الآخرين من ظاهر النص أو سطح القول وإنما معرفة مجريات ومتغيرات ودلالات طروحات وفكر الآخر، حتى لا يتم ابتسار القول وعزله عن ظروفه لرسم صورة ذهنية خاطئة يتم البناء عليها فكرة خاطئة، وللأسف ذلك يحدث كثيرا ما يجعلنا حينما نتبع وقائع التبادل في الآراء والأفكار نجد شحنا وإساءة فهم مزمنة تخالف الحقيقة والواقع، لأننا في المحصلة أمام حرية تعبير بلا ضوابط أو تركيز على الأفكار، وإنما استهداف الأشخاص، وحينها تصبح تلك الحرية فوضى وتخريبا للحق المعرفي في بناء سلوكي راشد ومهذب.