حسن السبع

في انتظار «سيتو»!

ليس لدى المفكر المالطي إدوارد دي بونو عصا سحرية لترتيب الفوضى، لكنه يرى أن الطرق المستخدمة حاليا لحل الصراعات عقيمة، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيصفها بالتحجر والبدائية والقصور، وبأنها «خطرة ومكلفة ومدمرة» فيضع مشروعا لحل الصراعات يدعى سيتو SITO (المنظمة فوق ـــ قومية المستقلة للتفكير). في معمعة هذه الفوضى التي تجتاح المنطقة العربية، وحين أستعرض عناوين كتابه «الصراعات»، يتبادر إلى ذهني سؤال يبدو ساذجا هو: هل قرأ الوسطاء الدوليون الذين تتردد أسماؤهم في نشرات الأخبار بعض هذه الأدبيات المتعلقة بالتفاوض؟ لكن سذاجة السؤال تخفّ حين أتبعه بسؤال آخر هو: إذا كان الوسطاء قد قرأوا تلك الأدبيات، أو انضموا إلى دورات مشابهة لتلك التي نظمها إدوارد دي بونو حول التفكير البنَّاء في حل النزاعات، فهل يمكن ترجمة تلك المعرفة إلى واقع ملموس في محيط تسود فيه «نزعةُ التَّغالب» حسب تعبير علي الوردي؟ لخص أبو فراس الحمداني تلك النزعة بقوله: «لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ»! ومنذ القِدم والمقابر تتمدد وتتسع، لكنها الآن أكثر تمددا واتساعا بعد أن تطورت آلة القتل. نعم، لا توجد أبدا منطقة وسطى بين الصدر والقبر يمكن القبول بها في ظل مبدأ التغالب الذي يقوم على الانحياز والتصلب وترجيح كفة القوة. أما الصدارة والسيادة والمكانة الرفيعة التي أشار إليها أبو فراس فقد استحوذ عليها أولئك الذين استخدموا عقولهم. لقد أدت تلك النزعة إلى إشعال سلسلة من الحروب مثل حرب البسوس، وداحس والغبراء، وبقية أيام العرب القديمة والحديثة التي طبَّق خلالها المتنازعون مبدأ «الصراع لحل الصراع».إن «نزعة التغالب» التي تناولها علي الوردي تعني أن الغلبة هي معيار تقدير الفرد وميزان أهميته لأنها تتيح له السيطرة والهيمنة. وإذا كانت تلك حال الفرد البسيط، فكيف يفكر بعض المحسوبين على النخبة المثقفة؟ انتقد بعض «المثقفين» المنهج السجالي الذي يجد مبرراته في صحة المواقف الذاتية أكثر مما يجدها في معاينة الواقع وفهمه وتحليل عناصره. وما أن أطل ما سمي «الربيع العربي» حتى وجدنا بعض تلك النخب المثقفة من أوائل العاجزين عن الإمساك بالواقع وقراءته قراءة واعية، والتنبؤ بنتائجه. وفي إطار ذلك السجال، اعتبر بعضهم ذلك «الهياج» مخاضا. واعتبروا المشككين في دوافعه ونتائجه قصيري نظر لا يرون أبعد من أقدامهم، وأنه لا توجد «وجبة مجانية». وقال آخرون: نعم، لا توجد وجبة مجانية، لكن الناس قد دفعوا ثمنا عاليا لوجبة رديئة! لا يشكل ذلك الاختلاف بين الرؤيتين مشكلة تذكر. المشكلة هي أن «نزعة التغالب» تحولت إلى سجال مراوغ يحاول طمس الحقائق وإنكار الواقع لتبرير أي شيء. وازداد الطين بلّة عندما ارتدى ذلك «الهياج» المسمى ربيعاً جلبابَ الأيديولوجيا فأجج صراعات وأيقظ ضغائن وعصبيات كانت نائمة. ولا فرق في ذلك الاندفاع اللا عقلاني بين بعض النخب المثقفة وعامة الناس. أعود لأصوغَ السؤال الذي طرحته في بداية هذه الكتابة على النحو التالي: هل يمكن ترجمة مشروع «سيتو» الذي يقترحه إدوارد دي بونو إلى واقع ملموس في محيط تسود فيه «نزعة التغالب»؟ أعود إلى هذا السؤال لأشير إلى أن إدوارد دي بونو يعترف منذ البداية أنه لا يوفر حلولا سريعة لكل مشاكل العالم، كما أنه لا سلطة لمشروعه على المتنازعين، وإنما هدفه توفير طريقة تفكير مختلفة في معالجة تلك الصراعات. والتفكير بطريقة مختلفة هو ما نحتاج إليه في هذا العصر المضطرب.