سكينة المشيخص

جريمة حتر والوصاية الدينية الزائفة

الجريمة التي ترتكب باسم الدين أشد أنواع الجرائم مرارة وتأثيرا ضارا بأمن المجتمعات والإنسانية، لأن النزعة العقدية الخاطئة تتلازم مع الفكرة المتطرفة، ويحدث مزيج في غاية الوحشية والقسوة التي يمكنها أن تدمر كل شيء تحت غطاء الدين، وبما أن التدين من لوازم الذات فهناك مساحة واسعة لأن يفسر الشخص مع نفسه كثيرا من المعطيات بما يراه دون عمق وبحث حول تداعيات نتائج أفعاله وحركته السلبية.كثيرون كانوا ضحايا لتأويلات وتفسيرات دينية خاطئة بالكلية والقائمة تطول مع مفكرين وكتاب وأدباء ومثقفين وسياسيين استهدفهم متطرفون بعضهم لا يحسن القراءة فضلا عن الفكر، كما في حالات فرج فودة والسادات ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ وغيرها، وأخيرا وليس آخرا الكاتب الأردني ناهض حتر، وهي جريمة من البشاعة بما يكشف عن الوجه القبيح للإرهاب والتطرف والإقصاء وعدم احترام الرأي الآخر، وتشكل امتدادا لتاريخ طويل من الدم والقتل باسم الدين، وفي النهاية يحدث انتهاك لحرمة الدماء والأرواح والأنفس.جريمة اغتيال حتر لن تكون الأخيرة لأن التطرف لا يزال قائما وأسبابه حاضرة في مشاهدنا الدينية والاجتماعية، والإرهاب والإرهابيون يتحركون في الأوساط الاجتماعية دون روادع كافية أو عقوبات تنتهي بهم حيث يجب أن يكونوا مكان ضحاياهم، باعتبار أن الأدبيات الجنائية الدولية لا تزال غير مستقرة على تعريف قاطع وحاسم للإرهاب ما يضيّق المساحة الإجرائية للتشريعات الوطنية، وبالتالي يستمر مسلسل الاستنزاف الأمني المروّع للمجتمعات والشعوب، في وقت يتجرأ فيه حتى أئمة المساجد على إتيان مثل هذه الأفعال البشعة كما في حالة قاتل حتر.السؤال.. متى يتوقف مثل هذا التطرف الغادر؟ للأسف يظل سؤالا مفتوحا بكثير من الإجابات الضبابية، لأننا في مجتمعاتنا العربية بصورة عامة لا نزال نعاني التطرف والانقسام وتواضع مستويات الوعي التي ترتقي الى الحالة الإنسانية الفطرية التي تأبى الدماء والقتل والتخلّص السهل من الخصوم، وطالما بقيت الدوافع الدينية الخاطئة في العقل الفردي والاجتماعي فإننا سنستمر في حصد الخسائر المعقدة والمركبة في جميع المسارات والسياقات الدينية والاجتماعية والسياسية والأمنية، لأن هؤلاء يعملون بحيوية في تفكيك الوعي والدين والحق الاجتماعي في التعبير والتصرف، وكلما غالى الفرد في الوصاية واختطاف الحساب الإلهي فإنه يخرج عن نطاق الإنسانية الى صورة مرضية تفقد الوعي والعقل وتنتهك كل المحرمات وتخترق الحدود الفاصلة بين الإنسانية والحيوانية ما يجعل الحياة بأسرها في خطر حقيقي يتطلب مراجعات فكرية ومجتمعية لكل التحولات في بنية الفرد وهو يتغير من السيئ الى الأسوأ.