فهد السلمان

التعليم والبدايات المتكررة

منذ أكثر من ثلاثة عقود والتعليم يلتهم أكثر من ربع ميزانية البلد، ومع هذا بقيت مخرجاته دون مستوى الطموح. كل وزير يقف على رأس الوزارة يضعنا أمام جملة وعود ثم يغادر الوزارة وكأن شيئا لم يحدث، فقط أعداد الطلاب تتزايد، والمدارس تتكاثر بما يشبه انقسام الخلية، لكن المستوى العام بقي كما هو منذ ثلاثين سنة مع اختلافات طفيفة غالبا في شكل الكراريس. كثيرون وأنا أحدهم راهنوا على الدكتور محمد الرشيد -رحمه الله-، ربما لأنه الوزير الوحيد قبل الدكتور العيسى الذي دخل الوزارة بمشروع واضح عرفناه منه منذ كان يعمل في مكتب التربية العربي لدول الخليج، لكن الرجل وجد نفسه أكثر الوقت في موقف الدفاع عن نفسه وعن مشروعه في إطار حرب ضروس كانت تُشن ضده بدعوى التغريب، حتى طارت سنوات التكليف دون أن يحقق أو ينجز كل ما يريد. الوزير البراغماتي الحالي أحمد العيسى أيضا له مشروعه الخاص والذي أفصح عنه في كتابه «إصلاح التعليم في السعودية بين غياب الرؤية السياسية وتوجس الثقافة الدينية وعجز الإدارة التربوية» وهي فلسفة تربوية تسعى لمواجهة ما وصفه بطغيان الفلسفة المثالية في النظام التعليمي، واستبدالها بالفلسفة البراغماتية التي تعتمد منهج التجريب والتطبيق وتنمية قدرات التفكير، وحتى نكون منصفين، يلزم بداية أن نقر أنه لا الوقت ولا ظروف البلد الاقتصادية ساعدته (حتى الآن) لأن يعطينا أي جرعة أمل أن هنالك مطبخا يُعد للبدء أقول البدء بمشروعه، ولا حتى تلك الكلمة أو الخطبة لا أعرف ماذا أسميها والتي قال إنه يتعاهد فيها مع الطلاب على «انطلاقة» عام دراسي جديد من الابداع والتميز والنجاح بانشائيتها التي تتحدث عن الجد والاجتهاد، وانعقاد الآمال، والوعظيات المألوفة، وبما لا يتفق مع منهج وزير جاء افتراضا ليحدث النقلة النوعية المطلوبة، خاصة أن الساحة التربوية والتعليمية لا تزال تلت وتعجن في ذات القضايا التي ألفناها كما ألفنا سماع الأذان ابتداء من المباني المستأجرة، وسوء البيئة المدرسية، وتأخر توزيع الكتب وغيرها. والله العظيم أعرف أن تطوير التعليم مسألة جيلية، لن تتضح آثارها قبل جيل، وأقدر حجم المصاعب التي يواجهها المسؤول الأول جهة صنمية بعض القناعات، وشراستها في المواجهة، لكن المشكلة في تقديري تتركز في جانبين اثنين غياب الرؤية الشاملة، ولا أريد أن أستخدم المصطلحات، وتعدد البدايات رغم تشابهها، وأصدقكم القول إنني كنت أنتظر من معالي الدكتور العيسى بوصفه صاحب مشروع حقيقي أن يُقدم للناس عناوين خطته التعليمية، وبرنامجه الخاص لتطوير العلوم والرياضيات بالذات، وماذا فعلت الوزارة لتجهيز الكوادر والمعامل، مثلما فعلت سنغافورة وماليزيا وفنلندا في صناعة الاقتصاد المعرفي على مقاعد الدراسة، وكذلك برنامجه في الكليات التطبيقية والمسارات المهنية، خاصة أنه المسؤول الأول عن التعليم العام والعالي بنفس الوقت، مما يُتيح له الفرصة لإنفاذ برنامجه بأقل قدر من العوائق، لا أن يبادئنا بمثل هذه الخطبة التقليدية التي يُمكن أن نسمعها في أي طابور صباح، فيما لا نجد ما يشجعنا على التفاؤل أننا بالفعل أصبحنا أمام مشروع تعليمي نهضوي حقيقي، وأننا انتقلنا عمليا من النظرية إلى التطبيق.