الوضوح والاتساق من لوازم الأنظمة
من المعلوم أن المملكة العربية السعودية تمر بمرحلة تحديث كبيرة على كافة المستويات، وهي ضرورة كان قد حلّ أوانها منذ زمن، لكن الظروف لم تكن تسمح بذلك التحديث. تسعى المجتمعات إلى جعل الأولويات متوائمة مع حاجاتها ومصالح أفرادها، بما في ذلك حفظ تاريخها وثقافتها من الاندثار، لأنها تمثل المحور الذي يتكتل حوله الناس، ويزيد من خلاله إيمانهم باستكمال ما بنته الأجيال السابقة. لكن بعض المجتمعات لأسباب تاريخية أو اقتصادية، أو أزمات عارضة ومستجدات في البنى الاجتماعية، قد تخلط بين مسارات تلك الدوائر المختلفة، التي تمثل منظومات: 1 - المكونات الثقافية، 2 - البنى القانونية (بكافة مستوياتها ومؤسساتها)، 3 - الأوضاع الاجتماعية وتحولاتها (بما في ذلك الموروث منها والمكتسب). فإذا نظرنا إلى الأعراف والأحكام السائدة في مجتمعنا، والمختلطة في كثير من الأحيان بالأنظمة إما بالفعل، أو بالظن والاحتواء، سنجد أن المصطلحات الثلاثة، التي حولت أفكار الناس وتعاملاتهم إلى ما يشبه الفوضى هي: «الحرام» و«الممنوع» و«العيب»، مع أن كلاً منها يتبع منظومة مختلفة عن الأخرى، ولا يمكن أن تتداخل في سياق معاملة واحدة، أو تبرير لرفض إجراء أو قبوله، أو تغيير لموقف أو قرار. فالأول ينتمي إلى الدين، وهو من المكونات الثقافية، التي يقتنع المرء بها حسب درجة تدينه، أو ما تعوّد عليه في تربيته الدينية، فيلتزم بحرمة شيء ويمتنع عنه، ويميل إلى شيء آخر فيستحسنه ويقبل عليه. أما الثاني، فينتمي إلى منظومة الأنظمة والتشريعات (المنضوية ضمن البنى القانونية)، التي يفترض أن يكون الأمر فيها واضحاً، ويحمي تطبيقها قوة السلطة التنفيذية، حتى وإن كان مرجع المنع أو السماح أمور دينية أو ثقافية سائدة في المجتمع، فالمهم أن ما يدخل هذه المنظومة يصبح المصطلحات الدالة عليه قانونية بحتة. والثالث ينتمي إلى الأوضاع الاجتماعية، وأحكام الاستحسان أو الاستهجان وفقاً للبيئة الحاضنة للفرد، أو المنتشر فيها بعض أنواع السلوك، فإذا كان أمر ما عيباً في بيئة محددة، فقد يكون معتاداً في بيئة أخرى. وهذه المنظومة بالطبع تلتقي في وجود بعض الظواهر مع منظومة المكونات الثقافية، لكنها أقل عمومية منها، وأكثر التصاقاً بالأسر أو البيئات الصغرى وطرق المعيشة أكثر من الفكر. سأذكر مثالاً يوضح تلك الالتباسات بين هذه المنظومات في مجتمعنا، فمنذ فترة أصدرت إمارة منطقة الرياض أمراً بعدم منع الشباب من دخول الأسواق المركزية (المولات)، لكن بعض حرس تلك الأسواق يمنعونهم باجتهاد شخصي منهم، وعندما سألت أحدهم عن سبب المنع، قال: «لابس برمودا». وقد حدث ذلك أيضاً لأحد مراجعي الخطوط السعودية، لأنه (سعودي) كان يلبس بنطلوناً. فهل توجد تعليمات واضحة، أم يجتهد كل أحد من خلفياته، تحت تأويل: «اللبس المحتشم». فالشفافية والاتساق مطلبان رئيسان في أي تشريع، أو سن قوانين مقبولة ومحترمة. والبلاد في هذه المرحلة محظوظة بوجود أميرين ديناميكيين في مركبة القيادة، سمو ولي العهد الأمير محمد بن نايف رجل الأمن الأول و«حارس المملكة»، على حد وصف بعض الصحف الأجنبية، وسمو ولي ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان رجل الاقتصاد الأول في المملكة، وفي الوقت نفسه مهندس التشريعات المستقبلية الجريئة. وهما مطلعان على طرق انفاذ القوانين في العالم، إما من خلال الدراسة، أو من خلال الخبرة العملية. ولا شك في أنهما راغبان في أن تمثل القوانين (القابلة للتطبيق وذات الاستمرارية) عماد التحديث في الخطط الكبرى لرؤية المملكة 2030، أو حتى في حياة المواطنين المعتادة، وشؤون البلاد اليومية.