سالم اليامي

سوء السياسة

سبق أن كتبت في هذه المساحة بتاريخ 20 مايو من هذا العام موضوعاً حول طبيعة، وتاريخ العلاقات السعودية الايرانية، وعن أبرز محطات التأزم في تلك المسيرة، والتي اتضح لي بأن موضوع الحج بابعاده الرمزية ومعانيه الحاضرة في روح الامة الاسلامية في الماضي والحاضر كان ابرز تلك المحطات، لان الجانب الايراني وضع هدفا منذ اليوم الاول لثورة ما سمي بالخميني 1979م أن يحول كل معاني الفكر والثقافة والسلوك الاسلامي إلى مكتسبات خاصة للنظام بصورة غير مسبوقة، وكان العنوان العام للمقال «الحج في مسيرة العلاقات السعودية الايرانية». ما يدون في صفحة العلاقات السعودية الايرانية اليوم استمرار لرؤية النظام في ايران واستمرار لسوء التقدير العام في صناعة السياسة وفي معالجة امور العباد والدولة، وتحريض غير مسبوق من القيادات السياسية والعسكرية والثقافية والدينية على بلدان الجوار، وتهديد لامن المسلمين في اقدس بقاع الأرض. كل ذلك يجعل المراقب في موقع المسؤولية الاخلاقية والثقافية وقبلها الوطنية ان يعيد تلمس تفاصيل المشهد السريالي الذي تدفع إليه قيادات النظام السياسي في ايران المنطقة والعالم الاسلامي براديكالية غير مسبوقة وبتجاوز لحدود واعراف وقواعد حسن الجوار والاخوة الاسلامية التي يتشدقون بها في ايران.ولعل من المفيد لتبيين بعض الصور المهمة للقراء الكرام، وبطريقة مقبولة العودة إلى التاريخ الذي انطلقت فيه ما تسمى بالثورة الايرانية او ثورة الخميني في المنطقة، والتي اطاحت بنظام سياسي في ايران وحلت مكانه باليات جديدة وبمعطيات صراعية خالصة منذ اليوم الاول لاعلان الثورة، ومع ذلك تذكرنا صور القادة والمسؤولين العرب حينها بسلامة النية وحسن الطوية واستبشارهم بهذا الحدث السياسي الذي حسبوه يوازن بين الاقوال والافعال، المملكة العربية السعودية اوفدت المغفور له باذن الله تعالى الملك عبدالله بن عبدالعزيز حينها إلى ايران لتهنئة القيادة الجديدة في طهران، ولمعرفة إلى اين تسير الأمور تبعا لتوجهات الربابنة الجدد، العرب وبحسن نية ايضا، وتصديقا للشعارات المواربة تابعوا باهتمام زيارة المغفور له باذن الله السيد ياسر عرفات ابو عمار إلى طهران، وسمعوا كلماته التي اوحت بانه وضع جزءا من ثقل قضية العرب والمسلمين القضية الفلسطينية بيد الدولة المسلمة والثورة المسلمة املا منه بان يجد العرب عونا ونصيرا لهم في قضيتهم المركزية، ومع ان مثل ذلك السلوك كان محل نقد من البعض حينها فان الايام لم تبطئ بكشف الحقيقة التي ينطبق عليها المثل المعروف: ذهب لجلب البخور فعاد وجسده مليء بالبثور. النوايا الحسنة لها مكانها، وإن كان من الواجب منحها الفرصة في معظم شؤون الحياة، ولكن يظل الفيصل السلوك العملي والمواقف الفعلية، وهذه اصابت المحيط العربي في منطقة الخليج وفي العالمين العربي والاسلامي بخيبة امل غير مسبوقة، عندما تكشفت الاسس الملتوية لهذه الثورة التي تقوم على عنت الداخل وتعلي من شان الدولة والنظام حتى وان تعرضت المبادئ المقدسة للتدمير والابتذال. وكانت الحرب العراقية الايرانية اولى بذور هذه الثورة التي وصفها الكاتب الرصين موسى الموسوي في اهم وابرز الكتب التي ناقشت الثورة الخمينية من الداخل بانها ثورة بائسة، وتبعث على الرثاء. ثورة حملت ارثا مريضا وتبشر بمستقبل غير سوي. ثم جاءت ثالثة الاثافي عندما اعلنت ايران الخميني رفضها التام التعاون او التفاهم باي شكل من اشكال الحوار والتفاهم والبحث عن حلول لاصلاح اخطاء النظام السابق في ايران بشأن الاراضي العربية المحتلة، وكانها تضع حواجز فولاذية قبل نقطة البداية في علاقاتها بالمحيط الخليجي. وفيما يخص العلاقات مع المملكة العربية السعودية وفي دائرة الحج تحديدا، سجل التاريخ في هذا السياق عمليات غير مسبوقة في اختراق قواعد الجوار والود وحسن العلاقات وصلت وبالتوثيق والتسجيل إلى ادخال المتفجرات، والتحريض على افتعال الفوضى في اقدس البقاع، واطهرها وفي اشرف الاوقات في حياة المسلمين. وتحلت المملكة بتعقل وصبر طويلين، وسمعتْ الكثير من التعهدات والتبريرات الايرانية التي تفتقر دائما للصدق وللمصداقية. ومع ذلك لم يتغير شيء في النهج والسلوك السياسي العدائي تجاه المملكة والمنطقة والمسلمين بصورة عامة. وفي الحزمة الاخيرة من السلوكيات السياسية لايران تجاه المملكة والتهديدات العلنية وغير المسبوقة للمملكة ولقيادتها ورموزها وللمسلمين الذين يبحثون عن الطمأنينة والعبادة في رحاب الأماكن المقدسة، يثور السؤال هل القيادات السياسية في طهران مدركة لما تقوم به بانه تخريب لشعيرة ربانية، وافساد في اماكن لا يجب ان يطالها العبث، ومخالفة للقوانين الانسانية والاسلامية والدولية؟ من الخطأ تصور ان ما تقوم به السلطات والمسؤولون الايرانيون ناتج عن جهل بكل هذه المعايير، ولكنه في الاغلب يعود لعدة اسباب، منها استشعار بحالة قوة وهمية عن فهم خاطئ لقراءة معطيات السياسة والامن والاستراتيجية في المنطقة بعد احداث معينة وتفاهمات معينة مع بعض اطراف فاعلة في المنظومة الدولية، وعليه فهناك سعي محموم لاستثمار تلك الرؤى الضبابية ولعل افضل مكان يصوره العقل السياسي المشوش في طهران هو السيادة على الاماكن المقدسة ابتداء بالمطالبة بالتدويل، وافتعال موضوع حرمان الحجاج الايرانيين الذين منعهم النظام في طهران. كما يمكن ان يعود الامر لخطط حيكت على مدى هذه العقود لاظهار حكومة المملكة وقيادتها وقدراتها التنظيمية بالشكل الذي يكون دون المستوى، وعندما اتضح ان ليس هناك ثمرة ناضجة في يد المخططين قفزت الامور إلى اخر الشوط، في مشهد مأساوي سياسيا ودينيا وثقافيا. وعلى هذه الخلفية المدركة بما يحدث لايمكن للمراقب إلا ان يقرر ان العنصر الذي يغلف كل ذلك هو سوء السياسة. والذي يعني في مفهومه العملي العكس تماما لحُسن السياسة. التي لا تغيب عن بال مسلم في كتاب الله، ولا تخفى عن بال باحث وسياسي مطلع يعرف ان من اهم مبادئ العلاقات الدولية ما يعرف بالمبادئ العامة للصداقة والتعاون بين الدول، وهي كما استقر الحال بها في الادبيات العامة للعلاقات الدولية سبعة مبادئ من المؤكد ان السياسيين في طهران يعرفون ان اهمها «تحريم استخدام القوة أو التهديد بها» في علاقات الدول، ثم «التسوية السلمية للمنازعات بين الدول»، و«عدم التدخل في الشؤون الداخلية» للدول، و«التعاون الدولي» وغيرها من المبادئ. من السذاجة القول بان صناع التطرف السياسي والايدلوجي والثقافي في طهران لا يعرفون كل هذه المسلمات، والبديهيات، ومع ذلك فهناك لعنة الجهل السياسية والرديكالية الايدلوجية التي تجعل من الحاكم عبئا على نفسه، وعلى شعبه وعلى جيرانه، قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه في صلب هذا الأمر: فضيلة الرياسة، حُسن السياسة.، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أشقى الولاة، من شقيت به رعيته.