د. مبارك الخالدي

«افتتاحيات الصحف».. لا يتفاعل معها أحد!

لفت انتباهي ذات يوم وأنا أقرأ كلمة/افتتاحية إحدى الصحف الأجنبية العدد الكبير لتعليقات القراء عليها، إذ تجاوز عددها التسعين وقت قراءتي لها. أثار العدد فضولي وتساؤلي عمّا إذا كانت افتتاحية إحدى الصحف المحلية حظيت في نفس اليوم بعدد كبير من التعليقات مثل نظيرتها الأجنبية. وعلى الفور طفت في جولة سريعة بأربع من النسخ الاليكترونية لأربع صحف محلية؛ لرصد حجم تفاعل القراء مع افتتاحياتها كما قد يظهر في تعليقاتهم. لكن لم أجد ولو تعليقاً واحداً على افتتاحية واحدة.ولأن ذلك لا يكفي دليلاً على أن القراء لا يتفاعلون مع افتتاحيات الصحف المحلية، ولكي أكون موضوعياً في رصدي ولو بأقل قدر ممكن من الموضوعية، قررت أن أتابع هذا الموضوع على مدى أربعة أيام وفي أوقات مختلفة من كل يوم، على الأقل ثلاث مرات. وكما حصل في المرة الأولى، كانت النتيجة «صفر» من التعليقات والتفاعل، فكأن قارئاً واحدا لم يمر بها. ينبغي الاعتراف بأن متابعةً مدتها أربعة أيام قصيرة، ولا تكفي أيضا للقول باطلاقية وجزم ان افتتاحيات الصحف المحلية لا تحفز القراء، أبداً، على التفاعل معها والدخول في حوار معها، أو فيما بينهم حول موضوعها، ولكن قد تكون عاملاً محرضاً على دراسة ورصد الموضوع خلال فترة زمنية طويلة نسبيا.وبعيداً عن نتائج رصدي قصير الأمد لتفاعلات القراء مع افتتاحيات الصحف المحلية، وطرحاً لوجهة نظر ذاتية جداً، أقول إن افتتاحيات «صحفنا» لا تحفزني شخصيا على قراءتها، ناهيك عن التفاعل معها والتعليق عليها. ولا استبعد أن أكون واحداً من آلاف من القراء الذين لا «تنفتح» شهيتهم لقراءتها. ولعل أحد أسباب ذلك هو تنمط ورتابة تلك الافتتاحيات، بفعل تركيزها الدائم على السياسة، وعدم التفاتها إلى المواضيع التي تمس الناس بشكل مباشر أو التعبير عن همومهم وقضايا حياتهم اليومية. بتعبير آخر، افتتاحيات الصحف المحلية لا تحرص على أن تكون صوت المواطن فتعبر عما يؤرقه ويؤلمه وعن أحلامه. سبب آخر، لا يقل أهميةً عن السابق، هو تشابه الافتتاحيات بشكل عام، وهو تشابه ناتج عن التماهي مع «الرسمي» ونطقها بصوته تعبيراً عن مواقفه وآرائه. وهذا يمنحها هيبةً تمنع القراء من تجاذب أطراف الحوار معها عبر تعليقاتهم، حتى ولو بأسماء مستعارة. أما من الناحية المهنية، فثمة اختلافات واضحة بينها، وهي اختلافات تدل على مدى اهتمام أو عدم اهتمام التحرير بها. وعدم الاهتمام هو الغالب، كما يلاحظ في ضعف الاسلوب وترهل البنية في بعضها، كأنها تكتب لملء الفراغ، أو كتحصيل حاصل كما يقال، لأنه بدونها تكون الصحف ناقصة، وهذا ما لا يجب أن يحدث، فلا بد أن يكون للصحيفة، أي صحيفة كلمة/افتتاحية، حتى وان تكن كلمةً تعيد طرح المألوف والمحفوظ عن ظهر قلب إلى درجة إملال القارئ، وإخماد رغبة التجاوب معها فيه.ينبغي أن أذكر أيضاً بأن مقالات بعض كتاب الرأي، أو ربما مقالات معظمهم لا تختلف عن افتتاحيات الصحف، تكراراً ورتابةً وإملالاً للقارئ. ولا استبعد أبداً أن تكون مقالاتي منها، بمعزل عن «لايكات» وتعليقات أصدقائي عليها في الفيسبوك والواتس والرسائل النصية.