مطلق العنزي

البوركيني..«صحوة» الميليشيات الفرنسية..!

في هذه الأيام تشب حمى «البوركيني» في مكاتب الحكومة الفرنسية ومنتديات الميليشيات الفكرية. و«البوركيني» لباس بحر يغطي الجسم كاملاً، ابتدعته مسلمات للتمتع بالسباحة في شواطئ البحور، بدلاً من البكيني الفاضح.وكان يمكن أن يكون البوركيني مجرد لباس، مثل أي ملابس أخرى، ترتديه نساء وتعزف عنه آخريات، لو لم تختطفه ميليشيات التوظيف الأيديولوجي، وتستخدمه لتصفية حسابات فكرية ودينية وسياسية وتاريخية.وأصابع التصفية الانتقامية السياسية التاريخية الدينية أو الاثنية، تتخفى وراء ستار الأيديولوجيا الفكرية، لتهاجم الآخر وتعزله. لكنها دائماً تمنطق موقفها وتفلسفه، مثلما فعلت فرنسا في مسألة الحجاب، وعداء المهاجرين في ألمانيا وهولندا والدنمارك وفرنسا، فرأت الحكومة الفرنسية أن الحجاب رمز ديني، يتعين حظره، بينما لا يحظر لبس الراهبات ولا قلنسوة اليهود ولا التزين بالصلبان. وفي الأسابيع الماضية حظر رؤساء بلديات ومسئولون فرنسيون ارتداء البوركيني في الشواطئ الفرنسية، قالوا إنه يمثل رمزاً لـ «عزل المرأة وإهانتها»، في وقت لا يرون أن البكيني نفسه إهانة لعرض جسد المرأة، ويتعامون عن الإعلانات المرئية التي تستخدم أجساد نساء للاستخدام التجاري حتى في مبيعات سيارات.لا يوجد في البوركيني أي ضرر لا للمرأة ولا للناس، ومع ذلك جرى التقعر في منطقة حظره، لأن روح الانتقام العنصري والطائفي، لا تزال حية في النفوس لكنها تتجمل وتنافق وتتخفى وراء السواتر الزجاجية.بين الفرنسيين والأديان تاريخ متقلب، ففيما كانوا يخشون حراب البابا في روما، كان ملوكهم يتفلتون لقيادة بعثات الحروب الصليبية؛ طلباً للتقوى كما فعل لويس التاسع (القديس) عام 1250 قبل أن يؤسر بالمنصورة في مصر وفدته فرنسا بأغلى الأثمان، وأحياناً طلباً لمنافع الدنيا. وفيما كان البابوات يدبجون عضاتهم وجد الفرنسيون أن بيع المناصب الكهنوتية يدر الأموال على المخملية الباريسية. في العلاقة الفرنسية التاريخية مع الآخر لا بد أن نتذكر اضطهاد اليهود المتكرر، وقد بدأت باريس حروباً صليبية ضد «الكفار» المسلمين، بتكفير اليهود في فرنسا أولاً واستحلال دمائهم، ولم ينج منهم إلا قليل التجأوا إلى قسس كنائس رحيمين، وأيضاً مذبحة القديس بارتولوميو عام 1572 التاريخية التي هندستها باريس الكاثوليكية لإبادة البروتستانت. وبعد تاريخ يتسم بحروب ضد الآخر الديني، ومذابح دينية لليهود والهوجونوت ثارت فرنسا وكفرت بالدين والبابا، فرمت الفرنسيات بفلذات أكبادهن إلى أتون النار المضطرمة وحراب الثوار وفوضى الثورة عام 1789.في وقتنا الحاضر، يتقلب موقف الفرنسيين من الدين بين حب للإنسان، ينتجه إصلاحيون، وحب للدنيا وأنفاس وعنصرية تتسلح بالوطنية وتصفي الحسابات التاريخية مع الآخر، ولأن الميلشيات الفكرية، تخجل أن تعلن حرباً دينية عنصرية ضد الآخر، فهي تتحجج بالعلمانية تارة وبالحرية تارة أخرى، ولكنها دائماً حرية فكر الحضارة الغربية وليس فكر أي حضارة أخرى، لهذا تصبح إهانة المسلمين، مثل الرسومات الصفيقة التي نشرتها مجلة شارل أبيدو، والتضييق عليهم قضية فكرية تشرعها وتبررها بلا خجل. ويقتضي الموقف الإشادة بفرنسيين أحرار ساندوا الحرية وكرامة الناس ضد بغاة الميليشيات الرسمية التي تشن حربها وتسن حرابها لتقطيع الآخر وإبادته، ويجب القول إن ما تتعرض له فرنسا من هجمات إرهابية ضد المدنيين، إنما هو أمر مقيت وارتكابات مجرمة، لا تمثل أي دين أو أي نفس كريمة. وترباريس.. مدينة التاريخ..في وقت تروي ثراها بالدماء الزكية،نخباً للغد..توقد شموع الحرية في فناء الباستيل.تنسج اسمها من الدم والضوء..وتجليات فولتيروصيحات روسو..وانتصارات نابليون إذ يمينه الشمسوإذ يشكو انكسارات القلب في معتزل القديسة هيلانة