حسن السبع

السيدة «لماذا وأخواتها»

أشرت ذات يوم إلى افتتاني بالسيدة «لماذا وأخواتها» من أدوات الاستفهام. وسأموت وفي نفسي شيء منها. مع الاعتذار لمن سيموت وفي نفسه شيء من «حتى».. تصبح «لماذا وأخواتها» ضرورة حين يفاجئني رأي مدجّج باليقين يستمد وجاهته من بلاغة القول، ذلك أنه لا يمكن للبلاغة وحدها أن تصنع حقيقة مهما تجمَّلت وتأنقت. ليست مهمة «لماذا وأخواتها» قمع الآراء، بل إثارة الأسئلة، وضخ الحيوية في الساحة الثقافية المصابة بـ «أنيميا ثقافة الأسئلة». قبل أيام، أثار أحد الأصدقاء ملاحظة تتعلق بلغة الحوار في العمل الروائي التاريخي، وهو ما اضطرني إلى استدعاء «لماذا» وبقية أخواتها. كان يرى في صياغة الحوار بلغة الإطار الزمني للرواية التاريخية قاعدة ثابتة. وكنت أرى أن الاقتراح مناسب لكتَّاب سيناريو الأفلام والمسلسلات التاريخية العربية التي تستخدم لغة عالية الفصاحة لكنها فاقدة للحيوية.كنت أرى كذلك أن تلك الملاحظة لا تناسب عملا أدبيا هو مزيج من الأزمنة، وأن الحاضر ماثل في كل صفحة من صفحاته. ولا تناسب عملا موغلا في الخيال. للفنتازيا، يا صديقي، منطقها الخاص، وطريقتها الإبداعية الخارجة عن المألوف. وربما جاز لكتَّابها أحيانا مخالفة بعض الشروط التقليدية، ما لم يفسدوا الذائقة باسم الفنتازيا. ولأن المقصود بالملاحظة تلك رواية (ليالي عنان) فقد نبَّهت صاحبي إلى رأي يسير في اتجاه معاكس تماما هو رأي الصديق الروائي عبدالله العبدالمحسن، الذي كتب في صحيفة الحياة يقول: «ليالي عنان» رواية بنكهة تاريخية، لكنها ليست على غرار روايات جورجي زيدان، ولا كرم ملحم كرم، ولا روايات نجيب محفوظ. ثم أضاف قائلا: «غبطتُه ــ يقصد المؤلف ــ على مقدرته في انتقاء مفردات لغوية تحمل ملامح عصر بطلته وعصرنا، ومزجها بمهارة فنية تشعر القارئ أنها مفردات من قاموسه العصري». والآن، سأجنح إلى الدعابة قليلا، فهي أخف ظلا من بعض الكلام الجاد. وعلى الأخوة حرّاس اللغة ألا يوجهوا أقلامهم الحمر إلى الفقرة التالية. سوف أتخيل أنني طرحت ذلك الاقتراح على أبي الفرج الأصفهاني، وسأفترض أنه قد اعترض على ذلك فقال بلغة فصحى مألوفة في القرن الرابع الهجري: «هَدَادَيْكَ، يا صاحبي، فإنك إن سَدوتَ سَدْوَ ذلك، فجئتَ بأوابد الكلام، كأنك تريد أن تُثبتَ أنك كاتب لا تُبَاغ. ومتحدث مِثَجّ، الفصاحة من تِقَنِه. لا بَرَاحَ أنك إذا بَغَمتَ الحديثَ للقارئ على ذلك النحو، ولقيَ منك ما عَجَاهُ وعَظَاه، لبس أُذُنَه لك وأَشِبَ ما بينك وبينه».. انتهى كلام أبي الفرج، وقد أراد أن يقول: «مهلا يا صاحبي، فإنك إن كتبتَ على ذلك النحو فجئتَ بغرائب الكلام، كأنك تريد أن تثبتَ أنك كاتب لا يُجارَى، ومتحدث جيد طَبْعه الفصاحة. لا ريب أنك إذا جعلتَ حديثك غامضا على ذلك النحو، ولقي القارئ من غرائبك تلك صعوبة، أعرض عنها وتجاهلها، وقطعتَ بينك وبينه حبل التواصل». انتهت ترجمتي لاعتراض أبي الفرج المتَخَيَّل. فهل أردت، يا صديقي، أن أنهج ذلك النهج اللغوي المحنط؟ دعني أطرح سؤالا آخر: هل تشمل تلك الملاحظة القيّمة الروايات التاريخية التي تناولت بعض رموز التراث العربي بلغات أجنبية؟ كأني بك تقول: «لا.. لأنها مكتوبة بلغات أجنبية» حسنا. لقد تُرجِمَت تلك الروايات إلى اللغة العربية، فهل كنت ستقترح الشيء نفسه على المترجمين؟ وبعد: هذا رأي لا يدعي الكمال، وإنما يعني أنه في مقابل كل وجهة نظر وجهة نظر أخرى جديرة بالتأمل والمناقشة.