د. مبارك الخالدي

انقلابات رجب طيب أردوغان

في وضح النهار، أضع يدي عامداً متعمداً على عنوانين للروائي النيجيري تشينوا أتشيبي، وأكتب يبدو أنه (مضى عهد الراحة)، وأن كثيراً من (الأشياء تتداعى) في عالم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وما نهاية الانقلاب العسكري سوى استمرار لانقلابات بدأت قبله وبداية لأخرى بعده. فتركيا ما قبل الانقلاب لن يسترجعها الرئيس اردوغان، ولن يسترجع طمأنينته الماضية، وكلما اعتقل أو أقال أو أسقط جنسية، قرصته الحاجة والشكوك والظنون السيئة الى المزيد من الاضطهاد والقمع، بطريقة تذكر بــ(مكبث) في مسرحية شكسبير. لم يعد القتل لـ(مكبث) الاستقرار والطمأنينة، ولن تعيدهما الاجراءات القمعية لأردوغان، ولن تُرْجعَ تركيا ما قبل الإنقلاب الفاشل. تركيا الحالية مختلفة تمر بتجربة مختلفة وترى وتعايش أشياء مختلفة. تركيا اليوم تتأكد من انقلاب اردوغان نفسه على نفسه، وانقلاب صورته القديمة الجميلة رأساً على عقب، وهو انقلاب لا يعترف به الأردوغانيون، خصوصاً الأردوغانيين العرب.المسافة طويلة اليوم، وتزداد طولا بين اللحظة الراهنة وبين ذلك المراهق الذي كان يبيع عصير الليمون والخبز في الشوارع الخلفية في اسطنبول، الذي جذب نفسه للأعلى بخيوط حذائية ليصبح في يوم ما عمدة لاسطنبول لتراه مسئولاً جاداً حقق نجاحاً مدهشاً في تخليصها من مشاكلها العديدة المزمنة مثل مشكلة المياه، والنفايات والمرور، والتلوث وتوج ذلك بإنعاش حركة الاستثمار فيها، والذي رأته تركيا رئيس حكومة أفاد من خبرته وتجربته في تدشين مشاريع تنموية وإصلاحية عظيمة والسيطرة على التصخم المالي، الى جانب النهوض بالتعليم والاسكان والصحة والطاقة. لكن اردوغان اليوم غير اردوغان الأمس، فقد انقلب اردوغان على نفسه قبل أن ينقلب عليه العسكر. اردوغان اليوم هو الطامح الى استعادة مجد سلاطين بني عثمان، اردوغان الذي يسعى جاهداً إلى تغيير الدستور لغاية توسيع نطاق صلاحياته الدستورية وتدعيم سلطته؛ اردوغان هو ما يسميه الآن إعلام الغرب الذي يخطب وده ورضاه: الرئيس المستبد والقاسي، وهو اردوغان الذي أدار ظهره الى سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار ليعلق بالتالي بشبكة من المشاكل معها طارحاً بلاده على صفيح ساخن من الأزمات والقضايا الاقتصادية والأمنية، ما حداه قبيل الانقلاب الى القيام بمراجعة وتصحيح لسياسته الخارجية لتنقية الاجواء من التوتر والخلافات مع روسيا التى تكبدت تركيا خسائر اقتصادية جراء توتر العلاقات بينهما بعد اسقاط المقاتلة الروسية في سوريا، تزامن هذا مع تطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية، والتلميح بإعادة العلاقات مع حكومة بشار الأسد. ويأتي الانقلاب الذي أفشله الشعب التركي بوقوفه في وجه العسكر، ليضع اردوغان ذاته في مواجهة انقلابات اخرى لابد أن يحسب لها حساب، وإن تظاهر بغير ذلك، أهمها انقلاب الولايات المتحدة وحلفاء تركيا في الناتو، وانقلاب الاتحاد الاوروبي. وقد لاحت علامات احتمال حدوثها خلال الساعات المبكرة بعد الانقلاب العسكري. فبعد شروع اردوغان في حملة الاعتقالات الواسعة بدأ الحديث في حلف شمال الأطلسي عن تعليق عضوية تركيا في الحلف. أما انضمامها الى الاتحاد الأوربي فقد يصبح أبعد مما هو عليه اليوم فالأوربيون غير راضين عنه بسبب افتعاله أزمة اللاجئين، وإذا ما نجح في إعادة تطبيق عقوبة الإعدام فإن باب الاتحاد الأوربي لن يفتح لتركيا أبدا.