هل باتت تركيا أقرب إلى بعضنا من الحد الجنوبي؟
مع كل أمنياتنا للشعب التركي العزيز بدوام الاستقرار، والدعاء للمولى القدير أن يجنبه شرور الانقلابات، والاضطرابات، والفتن ما ظهر منها وما بطن، وهي بالتأكيد أمنيات نزجيها لكل الشعوب العربية والإسلامية والمحبة للسلام؛ إلا أن ما يلفت الانتباه في أحداث تركيا الأخيرة ومحاولة الانقلاب الفاشلة، هو حجم التعاطف الداخلي مع هذا الحدث، وارتفاع معدل النشوة بفشل الانقلاب، وبشكل غير مسبوق، حتى أن السوشيال ميديا وفيما حملته من انطباعات وانفعالات تجاه هذا الأمر، جعلتنا نعتقد لوهلة أو نتوهم أننا جزء من تركيا، أو أن تركيا جزء منا، وهو شعور باهر ونبيل يتجاوز الحدود الجغرافية ليعيد حياكة نسيج الأمة على نول وحدة المشاعر، لو أنه جاء متساوقا مع تعاطفات أخرى تستحقها الشعوب الشقيقة الأخرى التي تعرضت، ولا تزال تتعرض للكثير من المآسي. أنا شخصيا وأصدقكم القول ربما شطح بي الخيال، وحدثتني نفسي الأمارة بالسوء عن دسيسة مسلسلات مهند ولميس، وحريم السلطان، والسلطانة حُرم، وزهرة القصر، وصدفه، وما إليها، والتي تتجاوز حلقات بعضها المئات، وما إذا كان أخواننا الأتراك قد دسوا في هذه المواد الفنية ترياقا يجعلنا أتراكا أكثر من الأتراك أنفسهم، وأردوغانيين أكثر من أردوغان نفسه، ومن حزب العدالة والتنمية، لأن مكيال التعاطف بلغ من التطفيف لصالح الاحتفال بفشل الانقلاب أن رجح حتى لم يعد في الكفة الأخرى ما يُشعرنا بوجودها أصلا، وهو ما لم يحدث مع أبنائنا الذين يقفون على الحد الجنوبي، ويوفرون لنا كل فرص العيش الكريم، والاستلقاء أمام الفضائيات لمتابعة أحداث ومآسي ومصائب الآخرين، والاحتفاء بهذه، والتشفي بتلك، ومن ثم التجشوء بعد كل وجبة بانتظار الوجبة التي تليها تحت مكيفات جيدة التبريد، لقد دفع بعض هؤلاء الشباب أرواحهم في سبيل الدفاع عنا وعن بلادنا، وتعرض بعضهم للإصابة وربما الإعاقة، وجارت البنوك على بعضهم فلم تقدر رسالتهم السامية والشريفة فضايقتهم في قوتهم، وقوت عيالهم، وقاسوا ما قاسوا من العذابات ومن المتاعب، لكنهم لم يجدوا ولو النزر اليسير من هذا التعاطف، وبما يُثمن جهدهم وبلاءهم الحسن في الذود عن حمى الوطن. لن أسيئ الظن كما فعل آخرون لأفسر الأمر بمعايير الحزبية، هذه تهمة كبيرة، ولا تجوز على اطلاقها، حتى وإن ارتكبها البعض الذين أعتقد أنهم إن وُجدوا فهم قلة، لكني أجزم أن ثمة خللا ما في بنية عاطفتنا الوطنية، لأن من لا يستطيع أن يتحسس مصادر عزه وعز بلاده، وينشغل بتبجيل السواعد التي صنعت ولا تزال تصنع ذلك العز بتضحياتها، ثم يفيض بمشاعره جداول من الحب العارم على حدث وراء الحدود.. فهو إما أن يكون مصابا بعمش لا يُريه القريب، ويحجب عنه تألقه، أو أنه ضل السبيل العاطفي، فلم يعد يستبين سحنة أخيه أو ابن أخيه السمراء على صخرة سوداء في تلال الجنوب حتى وإن كانت تنزف دما من أجله.