في مديح التنوع الفاتن
تتحكم الأبعاد والمعايير القِيَمية في نمط حياتنا، وتشكّل سلوكنا الاجتماعي، وقد تؤثر في قراءتنا لمعايير وقيم الآخرين. وربما تشجع المتشبث بها على الانغلاق وبناء الجدران النفسية الفاصلة، وإغلاق كُوى التقارب والاندماج، وتكريس ثنائية (نحنُ وهُم). فإذا ازداد التشبث بتلك المعايير، باعتبارها النموذج الأكمل، قلّ تقبّل الآخر وتفهم معاييره وقيمه المختلفة. وفي مقابل هذا التوجه، وعلى النقيض منه، يرى الأكثر وعيا وانفتاحا أن الناس ليسوا أمة واحدة. وأن التشابه والاختلاف كلاهما إيجابي، وأن التنوع مصدر ثراء ثقافي يساهم في تشكيل شخصية الأمة، وأنه لا يحول دون تحقيق الأهداف الإنسانية المشتركة. لهذا تصرح (جولي بيشوب) وزيرة خارجية استراليا قائلة: «ها نحن، وبشكل متزايد، نعترف ونقبل ونثمن ونحتفي بالتنوع الثقافي». ومعنى هذا أن موقفنا من التباينات ناجم عن كيفية قراءتنا للأشياء، وإدراكنا لجمال ذلك التنوع. تتجاهل قوى الانغلاق تأثير التربية والمحيط الثقافي ودورهما في تشكيل سلوكنا وقناعاتنا وعاداتنا، وتنسى أن بعض القيم والقناعات والعادات متوارثة، وليست اختيارا فرديا مجردا من أي تأثير، وأن ما هو مقبول في ثقافة ما قد يكون غريبا وشاذا في ثقافة أخرى. فالناس ترى وتترجم وتقيّم الأشياء بطرق مختلفة، ووفق معاييرَ وقيمٍ خاصة. في أوروبا، على سبيل المثال، لا يجوز الزواج من ابن العم أو ابن الخال. وفي الهند جرت العادة أن تدفع العروس المهر، وفي بعض المجتمعات الشرقية يعتبر اختطاف العروس تقليدا رومانسيا. وفي الشرق من يضع الرز أو الحبوب على قبر المتوفى، وفي الغرب من يضع الورود. ومن نشأ وتربى في (البنجاب) سيعتمر العمامة السيخية. يعتمرها اعتزازا بالزي التقليدي، أو بحكم العادة، أو خشية أن يبدو مختلفا عن الآخرين في محيطه الثقافي. فلبعض التقاليد سطوتها. ومجمل القول إننا نعيش في عالم متنوع المعايير والقيم. لكننا جميعا ركاب سفينة واحدة. هل سيبدو العالم أفضل لو كان متشابها؟ يذهب صديقي وأستاذي دافيد كيلي إلى تبسيط المسألة عند الإجابة عن هذا السؤال فيقول: «تخيل كيف ستكون الوجبة مملة وفقيرة بدون الطعام الصيني أو الهندي أو المكسيكي أو الياباني». لكنه يشير إلى اختلافات لا تشعل فتيل الصراعات. فلم يحدث أن خاض البشر حربا بسبب (وصفة طهوية). أما حين يتعلق الأمر بالأفكار فسوف تجد من يقرع طبول الحرب وأجراسها. وحين يدخل التعصب الأيديولوجي من الباب يخرج التعايش من النافذة. وعندئذ قد يطال التحيز الفواكه والخضار والألبان ومشتقاتها. إذا تعلق الأمر بالأفكار، فكل يغني على حقيقته الخاصة، ومن البديهي أن يتناسى حراس تلك الحقائق أن «الحقيقة بالنسبة للإنسان هي ما يجعل منه إنسانا»، كما يعبر الروائي سانت اكزوبري. أو هي ما يحث الإنسان على الصعود نحو الكمال. غير أن قناعة كهذه لا تنبع من فراغ، وإنما هي نتاج رحلة معرفية طويلة، فكلما ازدادت معرفة المرء ازداد تفهما للعالم من حوله، وأدرك كم ستكون الحياة مملة دون تلك الفسيفساء الثقافية. وانطلاقا من هذا الفهم سيصنع من أسلاك الحدود الشائكة جسورا إلى الآخر المختلف عنه عرقا وثقافة. وسيحلم بالبحث عن ذاته في أماكن أخرى لم يذب في زحامِها. وسيصبح غيمةً لا يعيق رحلتها حراس الحدود، وفراشة لا تحمل جواز سفر، ومزنة لا تمنع عطاءها عن أية تربة. وسيلتقي مع الشاعر الإنجليزي مارك أكنسايد في مديح ما يسميه «تنوع الأشياء الفاتن».