د. مبارك الخالدي

في الملحقية الثقافية بلندن

ندفع بأقدامنا بخطى سريعة إلى خارج محطة «غَنَرْزبري»، فيستقبلها الشارع، ليكون إلى يسارنا منتصباً بطوبه داكن الحمرة المبنى الذي يؤوي الملحقية الثقافية السعودية في لندن. في المسافة القصيرة بين المحطة والملحقية الثقافية، تداعت في الذاكرة ذكريات رحلتين انصرمت بعدهما مسافةٌ زمنيةٌ طويلة. لم أتوقع أن تفيق في الوعي من سباتها تلك الذكريات وأنا وأسرتي نغذ الخطى الى الملحقية، أو لأكن صادقاً ربما وبدون وعي قررت اصطحاب ابنتي المبتعثة إلى الملحقية تحت تأثير تلك الذكريات، أو رغبةً في التلذذ باسترجاع ذكريات ذهابي الى ملحقيتين في مدينتين أمريكيتين؛ المرة الأولى مباشرة ًبعد وصولى إلى الولايات المتحدة للدراسة لدرجة الماجستير، والثانية بعد عودتي إليها للدراسة لدرجة الدكتوراة. كان ذلك قبل أن تجعل وسائط الاتصال الالكتروني إنهاء إجراءات الوصول والتسجيل لدى الملحقية سهلاً، لا يتطلب من المبتعث والمبتعثة المرور بها في الطريق إلى حيث يدرسان. ليس سهلاً في هذه اللحظة القول بمقدار كبير من اليقين إن كان، أو لم يكن، استرجاع تلك الذكريات واستحضار تجربتيّ القديمتين دافعين قويين للرحلة الى الملحقية في لندن متذرعاً بضرورية وأهمية أن تمر ابنتي بالملحقية لإنهاء المتبقي من الإجراءات.كنا قد ركبنا المترو من محطة «هيثرو سنترال»، المحطة الأقرب الى مقر إقامتنا المؤقت، لنصل الى محطة «غَنَرْزبري» بعد تغيير المترو في محطة في الوسط بين محطة بداية الرحلة ونهايتها. وكان دخول الملحقية سهلاً سلساً خالياً من أية إجراءات غير ضرورية، وهي ما كنت أخشى المرور القسري بها وتحملها بطريقة «مكره اخاك لا بطل». لكن أخمد الوصول السهل الى الاستقبال مخاوفي، ومحاها تماماً إرشادنا الفوري الى الأستاذ سعيد بن شرمان في الدور الثالث.وكان لسعيد بن شرمان الدور الجميل في امتلاء دقائق وجودنا في الملحقية بالسعادة والارتياح، وبالمعلومات والايضاحات التي رحت أستمع إليه وهو يسردها بسعة صدر وكأنني أنا المبتعث، وهو ما حدث بالفعل بعد أن وجه الأستاذ سعيد ابنتي إلى الذهاب إلى السيدة نوال في الدور الأول لإتمام بعض الإجراءات والاستفسار عن أي موضوع يشغل حيزاً في ذهنها. وكان أن عدنا من الملحقية عودةً خاليةً تماماً من «الحلطمةِ» المعبرةِ عن الاستياء أو الندم على تحمل «وعثاء» الرحلة اليها. عندما لم تعد الحاجة للذهاب إلى أية إدارة حكومية في داخل البلاد أو خارجها أمراً حتمياً من أجل إنهاء أية معاملة، أو من أجل أي غرض ما، كأن تذهب بشخصك إلى إدارة حكوميةٍ للحصول على معلومات معينة من «فم الحصان» لكي يطمئن قلبك، عندما يكون سهلاً وصولك إلى مَنْ يجب الالتقاء به لإنجاز ما تذهب من أجله، عندما لا تشعر بأن مَنْ تلتقي به يتعامل معك وكأنه يتفضل ويمن عليك، عندما لا تضطر للذهاب متوتراً وغاضباً الى مكتب الجالس على قمة الهرم الإداري في تلك الإدارة الحكومية لتشكو سوء المعاملة أو التجاهل. عندما لا يحدث أي مما سبق فأنت في جهةٍ يؤمن فيها المدير وزملاؤه بأنهم موجودون لخدمتك، ولخدمة المواطنين وغير المواطنين، ويشرفهم ذلك ويدخل البهجة الى نفوسهم. هذا ما لمسته، ما لمسناه «في الملحقية الثقافية في لندن».