الإرادة الجماعية
لا صوت لمجتمع بدون تبلور «إرادة جماعية» تجعله على درجة عالية من التآلف والتفاف بعضه ببعض وذا أهداف تتـآزر وتتصادى مع بعضها بعيدة عن التناقضات التي تجعل الأهداف مشتتة ومتعادية.. وهذه الإرادة لابد أن يسبق انبثاقها مخاض بطول ليل امرئ القيس تنضج فيه شروط ذلك الانبثاق.أول تلك الشروط أن يكون المجتمع متجاوزا ما يسميه هربرت ماركور «1898– 1998» «البعد الواحد» بعد أن يكون معظم أفراده ذوي بعد واحد، والبعد الواحد يعني أن يكون الفرد وكذلك المجتمع مفرغا من أي بعد نقدي ليعارض أو يطالب بالتغيير.. وتخلو لغته من المفردات والأفكار والمفاهيم النقدية وإضاءة وتعبيد الطرق إلى الأهداف القائمة على التمييز بين الواقع وبين ما يجب أن يكون عليه هذا الواقع.إن تآلف الأهداف وانسجامها لا يقتضيان التآلف في الوسائل، إذ تختلف تلك الوسائل من تيار إلى آخر من تيارات المجتمع بالضرورة، ومن هنا تكون الخيارات الفردية متاحة أمام الجميع في اختيار هذا التيار دون ذاك أو هذا الحزب دون ذاك في المجتمعات الديمقراطية، فالأحزاب هناك تكاد تتفق اتفاقا تاما على الأهداف مع الاختلاف في الوسائل.أما الشرط الثاني فهو اتساع الأفق الاجتماعي أمام تنوع الانتماءات والخروج من ظلام ما يسميه أمين معلوف «الهويات القاتلة» وهي تلك التي يقول عنها: «المفهوم الذي أفضحه الذي يختزل الهوية إلى انتماء واحد ويضع الرجال في موقف متميز ومذهبي ومتعصب ومتسلط وأحيانا انتحاري ويحولهم إلى قتلة».الثالث «والذي يجب أن يكون الأول» هو الاعتراف العمودي والأفقي بأن الحرية حق وجودي لكل فرد ما لم ينتج عنها عدوان على الآخر ماديا كان أو معنويا، وأن من يقف في طريق التحقق الفعلي لها يقف في وجه الوجود الإنساني نفسه.هل تريد أن تضيف شرطا رابعا أو عاشرا؟ سأصفق لك إعجابا.. لأن المجال يتسع لأكثر من مقال حول شرط ما من شروط خروج أي مجتمع من كهف الصمت لتحقيق إرادته الجماعية.يقف أمامي الآن محمود درويش منشدا:«أطل على المفردات التي انقرضت في لسان العرب».