عظّموا الوميض حتى يصبح كالشّمس تأثيرًا
▪▪ أخذ الأستاذ الأمريكي يسرد شروط قبولي للماجستير. قال: حددنا لك مشرفا بالاسم. ليس لك حق طلب تغييره. ليس لك حق اختيار مشرف آخر طوال دراستك بالقسم. إذا فشلت في التعامل معه فعليك أن ترحل. كان يتحدث بثقة واضحة الكلمات. يتحدث بنبرة تحمل صوت المبشرين والمنذرين. فهمت أنها رسالة بناء لا معول هدم. لكن هذا الفهم بدأ يتبدد مع سرد المزيد من الشروط.▪▪ أكّد أن القسم اختار هذا المشرف بعناية وقناعة ولهدف يسعى لتحقيقه. أضاف: اشترطنا أيضا أن تبدأ بأصعب مادة في القسم. في حينه اعتبرت هذا الشرط لطمة لا أستحقها. أضاف على وجع اللطمة قائلا: يجب أيضا أن تسجل هذه المادة مع المشرف. هذا يعني أن أوراقي ستكون مكشوفة أمامه من أول يوم دراسي. ثم سرد قائمة أخرى من الشروط. اعتبرتها ثانوية وعادية.▪▪ كنت أتوقع أن حديثه انتهى. لكنه فجّر صعوبة الموقف عندما قال: يجب أن تنجز في الفصل الدراسي الأول مشروع رسالتك للماجستير مع المشرف. موضوعها ما جاء في خطابك. بهذا فهمت أنهم يرفضون قبولي بشكل مؤدب. فهمت أنهم يقولون: (انقلع عنّا). الحقيقة أنني لم أستوعب صعوبة تحقيق هذه الشروط في حينه. كنت أعيش حلما غيّب كل تنبؤ بأي صعوبة. ▪▪ قبلت التحدّي. فرصة النّجاح إلى الأبد تلوح في الأفق. كذلك الفشل الذي تجاهلت. انتهت المقابلة. وقف يودع شخصي. كنت معتزا بثقتي. مرفوع الرأس بقبول التحدي. تمنّى لكاتبكم التوفيق. وقعت على العديد من الأوراق التي لم أقرأها. قال ستبدأ في الدراسة مع بداية الفصل الدراسي القادم. فرحت بهذا القبول. لكن تجرعت مرارة الشروط. عشت تأثير قسوة رهبتها. أيقنت أنني أمام تحدٍ قد يعصف بمستقبلي الدراسي.▪▪ أصبحت في دوّامة صراع حامي الوطيس. لديّ معلومات من كتب قرأتها عن أمريكا. بدأت المقارنات باستدعاء كل المعلومات المتناقضة والمتضاربة. مع هذه الشروط التعجيزيّة توصلت إلى قناعة بأنني أعيش أمل الحلم الأمريكي. هكذا وجدت هذا الوميض ينادي مع استرجاع شريط معلوماتي. عظّمت هذا الوميض حتى أصبح كالشمس تأثيرا. ▪▪ ترسّخت في ذهني عبارة الحلم الأمريكي منذ المرحلة الثانوية. أن تحلم فهذا كل ما تحتاج إليه في أمريكا. مقدمة النّجاح في أمريكا أن تملك الحلم. رأيت أنني أملك حلمي الخاص. أقنعت نفسي بأن هذه الشروط هي محركات النّجاح نحو مستقبل أفضل أبحث عنه. مستقبل لشخصي ولوطني ولكل مَنْ حولي. لا مجال للفشل مع بذل كل جهد وطاقة. إن جاء الفشل بعد ذلك فهذا رزق مكتوب. ▪▪ تذكرت تاريخي مع التحديات. أقنعت نفسي بأنهم وبشروطهم رسموا مسيرة نجاحي إلى الأبد. إنها مواجهة التحدي. يجب أن أنتصر. إنها الحرب وأنا الوطن. جيشي هو امكاناتي الشخصية. استعرضت هذه الجيوش في مخيلتي التي لم تكن لها حدود. يا لروعة ما أحمل من قوى جيوش زرعها استاذي العظيم (عثمان الشاعر). الأستاذ الأعظم والأفضل في حياتي. أربع سنوات قضيتها معه كانت كافية لزرع المارد الجبار في أعماق كياني. قابلته منذ الصف السادس ابتدائي، وظل معي إلى أن أنجزت المرحلة المتوسطة. ▪▪ هكذا مر طيف الثقة بالنفس. رفعت راية الاعتزاز بمَنْ علّمني. بفضلهم وصلت هذه المرحلة التاريخية. مواجهة التحدّي من أجلهم هو أفضل تكريم لهم في غيابهم. قررت خوض التجربة لمنازلة التحدي. لديّ رصيد من النجاح مع التحديات السابقة. اجتزتها بنجاح. أعطيت نفسي أملا بتجاوز الشروط. وأملا بنجاح مدوٍ وهائل تكريما لأستاذي (عثمان) من القدس العربية.▪▪ كان هذا آخر لقائي بهذا الدكتور الأمريكي. رأيته مرة أخرى بعد الفصل الدراسي الأول. كان مشهدا مثيرا سيأتي ذكره. هذا الأمريكي جعلني أراجع كل تاريخي. جعلني استعرض كل نقاط قوتي وضعفي. جعلني أجمع نقاط قوتي لردم فجوات الضعف التي أحمل. جعلني أتنبّه لقواي الكامنة. جعلني استشعر أهمية المستقبل. جعلني أخوض في أعماق نفسي لزيادة تركيز إيجابيات أحملها. جعلني أتذكر استاذي (عثمان) وكان هذا كافيا لقبول التحدي. ▪▪ هذا الأستاذ الأمريكي جعلني أعيد اكتشاف نفسي وقدراتي. جعلني أعيد صياغة تعريفي لنفسي. جنّبني الفشل. بفضله أنبتت بذور كان يزرعها استاذي (عثمان الشاعر) في صغري. كنت في وضع أشبه بقطار يعمل في ساحة رمل دون قضبان حديدية تحمله. هذا الأمريكي حملني. وضعني على قضبان سكة الحديد. انطلقت إلى الأمام بطاقة أحملها. وجهها وغادر حياتي. ويستمر الحديث بعنوان آخر. 