حكايات المدن والناس
نبحث أحيانا بحرص عن النكهة المتميزة في إنتاج الصحفيين، ومحترفي الاعلام المرئي، مقارنة بما يتوافر في انتاجات أهل الأدب، والاكاديميين. ومن المعروف أن لكل فريق منتجه الخاص، وتميزه الخاص، ومع ذلك تبقى قوة الجذب التي تنادي أناسا أنا منهم تأتي في الغالب من الفريق الأول، خاصة إذا كانوا من محبي المغامرة ومتتبعي الاحداث، أو من الذين يعيشون تطورات الأحداث ويشاركون الناس والدول والثورات والمدن قصصهم وحكايات حياتهم الخاصة. وهذا ما وجدته لدى السيدة ليندسي هيلسوم محررة الشؤون الدولية في احدى القنوات الاخبارية الانكليزية، وهي السيدة التي غطت اكثر من نزاع في العالم، وحصلت على جوائز، وشهادات تقدير على ذلك ألفت كتابها الأول «عاصفة الرمال» وتحدثت فيه باسهاب وعلى مدى 396 صفحة عن كثير مما يمكن ان يقال عن تاريخ ليبيا القديم والمعاصر وباشارات مناسبة، مع التركيز على قضية جوهرية أو خطوط عامة في الكتاب تتمحور في فصوله العشرة حول تصوير وتصور البلاد الليبية من عهد القذافي إلى الثورة عليه. الكتاب شائق ومليء بالحكايات عن التاريخ، والسياسة، والاقتصاد، والظلم، وسسيولوجية المدن والأشخاص وقصص حياتهم وتطورهم وشقائهم. حديث الكاتبة، ورصدها جاء نابضا باللحظة وذلك لأنها واكبت الايام الاولى للثورة وجالت المدن الليبية وتحدثت إلى الثوار وللسجناء السابقين من ضحايا النظام وأسرهم. كانت تكتب بعين الصحفية وتوثق بعين الباحثة التاريخية وتقارن بعين من يكتب رواية لا تنتج إلا مرة واحدة في تاريخ البشر على الارض الليبية. لفتني في عملها الزخم الحكائي المتصاعد، والعودة بالناس إلى زمن مضى ومقاربة اليوم بالأمس، واستوقفني اكثر شعور غير محدد بالمستقبل الذي يقترب من المجهول، عندما أقرأ جملة تفيد بأنه يستحيل التنبؤ بأي نوع من الدول ستكون عليه الدولة في ليبيا!! وربما يعود هذا الامر في جزء منه إلى التاريخ السياسي الذي عاشته البلاد في الفترة العثمانية ثم الايطالية ثم الفترة الوجيزة للملكية وما جاء بعدها من عقود كان هناك دولة وسلطة ولم يكن هناك شكل محدد وثابت على الاقل مما يمكن مقارنته بالأشكال التقليدية للدول في العالم المعاصر. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وهي مهمة ربما في التاريخ السياسي والاجتماعي والبشري لليبيا هناك ما يعرف بالانفصال المناطقي، والترابط التاريخي المتداخل للمناطق المكونة للإقليم الليبي، وهذه المناطق كما هو معروف ثلاث «فزان» في الجنوب وعرقيتها الافريقية، والطوارقية، وهم بدو الصحراء الكبرى. وذوو الامتدادات البشرية والثقافية في الجزائر والنيجر. وهناك «برقة» في الشرق، و«طرابلس» في الغرب، و السكان هنا من العرب ذوي الاصول البدوية. ويساهم في تعزز هذه الصور الموقع الجغرافي الذي يجعل مبدأ الهوية حالة غامضة. وتتأرجح بين المفاهيم العربية، والأفريقية. وهذه حالة عاشتها البلاد بوضوح خلال تقلبات المزاج السياسي للقيادة على مدى أربعة عقود.لن يكتب أحد عن ليبيا ويتجاهل مجزرة سجن ابو سليم، (28 يونيو 1996) والتي لعب بها النظام لعقود، وأصبحت مصدرا للحكاية المأسوية في المجتمع الليبي، ما أود الاشارة اليه هنا في حكايات المدن والناس أن التقارير تفيد بأن جُل سجناء ذلك المعتقل سيئ السمعة كانوا من ابناء بنغازي! تلك المدينة التي ابتلعت حد السكين لعقود، وقبل عهد القذافي او ما يسميه الناس في ليبيا بالانقلاب، تنقل المصادر أن هذه المدينة الجميلة قبل تلك الحقبة وفي زمن الملكية اصر الملك ادريس أن يبقى مقره في بنغازي، رغم ان الرجل من طبرق، ورغم ان طرابلس بقيت العاصمة الرسمية للبلاد. وكثيرا ما يردد الناس في ليبيا أن القذافي لم يكن يحب بنغازي وهي كذلك وأهلها لم يكونوا على ود مع الرجل. حتى ان هناك من ذهب إلى أن بعض المناصب القيادية في النظام خاصة في الجيش كانت تعطى لقبائل معينة من اهل الشرق، ولكن لما تكشف للقادة منهم ميل النظام وتعمده قتل الناس، واستخدام مرتزقة من بعض دول الجوار، انحازوا إلى القبيلة والمدينة. ويذكر ان الهتاف المسموح به في ليبيا كلها كان «الله، معمر، ليبيا وبس» وانه في الايام الأولى للثورة انقلب وفي بنغازي بالذات إلى «لا إله إلا الله القذافي عدو الله» والهتاف الذي ابكى كثيرا من البرقاويين كان ما رددته الحناجر عشية المواجهات الدامية 18 فبراير في بنغازي بين الثوار، وبين قوات القذافي التي قيل انها شملت مرتزقة افارقة عرفوا بذوي القبعات الصفراء، كان «انهضي بنغازي، جاء اليوم الذي كنتي تنتظرينه».من الناس الذين اجد ان حكايته جديرة بأن تقال: رجل من بنغازي اسمه فتحي تربل، هو محامي نذر نفسه للدفاع عن ضحايا سجن ابو سليم ووقف مع عائلاتهم للمطالبة بحقوقهم، وكشف من تسببوا في جريمة تصفيتهم. الرجل استمر في مسلكه حتى قيام الثورة، ويقال ان جزءا من المظاهرات التي شهدتها بنغازي عشية الثورة كانت مرتبة سلفا لأسر ضحايا بوسليم والاحتجاجات سابقة على صحف اجنبية نشرت رسوما مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك متزامنا مع تحركات اتباع النظام للقضاء على أي شكل من التحرك أو العصيان كما يراه النظام، وقُتل اناس جدد وبدأت مرحلة من العصيان والثورة، السيد تربل بعد قيام المجلس الوطني الانتقالي كأول واجهة سياسية رسمية بعد ثورة 17 فبراير 2011م كان ضمن اعضاء المجلس ممثلا عن فئة الشباب.منطقة البيضاء زارتها المؤلفة ابان الثورة، والتقت الرجل الذي ترأس المجلس الوطني الانتقالي، السيد مصطفى عبدالجليل الشخص الذي لم يكن لدى الليبيين والليبيات اعتراض على شخصه ربما لان كثيرا من صفاته الشخصية والجسمانية والنفسية على النقيض تماما من شخصية القذافي. رُصدت خطبة جمعة في احد مساجد البيضاء للسيد عبدالجليل قال فيها لليبيين وقبل ان يتم القضاء على سلطة القذافي بالكامل: «لن نتوقف قبل أن نحرر البلد كله، النصر او الموت، لقد سيطر النظام 40 سنة، وأذهب ثروات البلاد مع الريح، لقد صنع النظام الفوضى».وأحد الشهود الذين التقتهم المؤلفة وهو طبيب ترك عمله في احد المستشفيات البريطانية وعاد إلى بنغازي ليعيش مع الناس الثورة قال: «أدركت أنه في بلادي لن يكون الوضع كما في تونس، ومصر. القذافي لن يتوقف، وكان في تلكما الدولتين شبه ديموقراطية، لكن نحن ليس لدينا شيء. لم نشهد مظاهرات، أو اضرابات من قبل. كنا مجتمعاً خاليا من الحراك، والاحتجاج. لذا توجهنا بسرعة نحو الصراع».قصص كثيرة لليبيين مع القذافي والثورة، وأجِدُ من ابرز ما اطلعت عليه قصة لأحد رفاقه في حركة الضباط الاحرار، رجل يدعى بشير هوادي، هو من أعلن قيام الانقلاب من اذاعة بنغازي، ولكن الاقدار وضعته في مواجهة القائد حيث اتهم بتدبير انقلاب ضد القدافي، وحكم عليه في البداية بالقتل، إلا ان الاقامة الجبرية فرضت عليه وارسل إلى بلدة الجفرة في قلب الصحراء، وبقي فيها ثلاثة عقود لا يبرح مكانه! إلى ان تذكره أحد المشاركين في ثورة 17 فبراير، وأرسَلَ في طلبه ليكمل ما تبقى من حياته في مصراتة. 