مسلسل «حارة الشيخ».. حرب «التقمص» والهوية..!
لم يتسن لي مشاهدة مسلسل «حارة الشيخ»، لكني، بحكم تخصصي، أعرف أن هذا النوع من المسلسلات، الذي يوظف الشخصيات أو الأمكنة، لا بد أن يثير جدلا حتميا طبيعيا، بين الحقيقة والخيال، وبين فنتازيا الفن السابع والهوية، وبين الكاميرا والتاريخ، و«اشتباكات» عارمة بين المشاهدين، وهذه الأخيرة تبدو أحيانا محركا وحيدا لفكرة الإنتاج الإعلامي الربحي.قبيل بداية الألفية الثالثة، تنبه إعلاميون أمريكيون محترفون، لخطورة جنوح «الميديا» ومنتجاتها، وتنافسياتها الاحترافية التي يحركها المال والأرباح، وحتى أداءات مهنية متواضعة تبعدها عن الأخلاقيات المهنية والعدالة والمصداقية في الطرح الإعلامي.في عام 1997 التأم، في جامعة هارفارد الشهيرة، 25 صحفيا أمريكيا من المحترفين اللامعين،، ليدرسوا أخطاء، وأحيانا جرائم، وسائل الاتصال الجماهيري ونزعة الإعلام الأمريكي التنافسية الجامحة، والتخلي التدريجي المبطن عن المسئوليات الاحترافية.واصدر اثنان من أبرز الصحفيين هما بيل كوفاش وتوم ريسنستيل، كتابا بعنوان «عناصر الصحافة.. ماذا يتعين على الصحفيين معرفته وماذا يأمل الرأي العام»، بعد أن عقدت 21 ندوة متخصصة، وحضور ثلاثة آلاف متخصص، وشهادة 300 صحفي محترف، تقيم احترافية الأداء في وسائل الإعلام الأمريكية.ورصد المؤلفان حقائق مرة، وتشويها خطيرا للمهنية الإعلامية، منها الإعلانات التي تعرض بما يشبه الأخبار (المعلومات) وبرامج تلفزيونية تعرض «النميمة» والبيانات الصحفية كما لو كانت أخبارا، ويطغى العرض الاستهلاكي لأخبار المشاهير، ويجري خلط بين الأخبار والترفيه، وبين الصحافة والشائعات، وحتى الأفلام الوثائقية تمتلئ بالعيوب والمناكير، والدراما التلفزيونية والأفلام السينمائية تمزج بين الحقيقة والخيال، وتعطي انطباعا للمشاهدين أن هذه حقيقة الأحداث كما تعرض. وهذه الأخيرة هي بيت القصيد، فيما يتعلق بمسلسل «شيخ الحارة» الذي وظف مدينة جدة، كما لو كان برنامجا توثيقيا، فالمسلسلات التي توظف مكانا أو شخصا، تعطي انطباعا لا محالة على أنها تاريخ، ولا بد أن تثير جدلا وغضبا لأنها تمثل رؤية شخص أو شخصين، هما المؤلف والمخرج، وأحيانا المؤلف هو المخرج، ليقدم رؤية أحادية شخصية، تحددها محكمات عواطفه وأفكاره ورؤيته الفكرية ورغباته ومخاوفه، في قضايا تاريخية وفكرية واجتماعية شائكة.وكون المخرج تحدث عن الضرورات «الدرامية» فهي حجة فاشلة ومكشوفة، لأن كل الذين قدموا مسلسلات قاصرة أو مشوهة أو تصفي حسابات شخصية مع التاريخ أو الأفكار أو الايديولوجيات، يلوذون بحكاية «الدراما» أو متطلبات السيناريو والتشويق أو ضغط وقت العرض.ومهما كان الأمر، ومهما كانت الأعذار، فإن هذا النوع من المسلسلات ينطبع في أذهان المشاهدين، وبالذات النشء والشباب، على أنه حقائق ورصد لطبيعة المجتمع وعلاقاته وثقافته وهويته الفكرية. ولهذا ثار أهل جدة الكرام على مسلسل «حارة الشيخ»، وسخطوا لأنهم رأوا أن المسلسل يعتدي على تاريخهم، ويشوه آباءهم، لمجرد أن شخصا ما عن له أن يقدمهم بهذا الصورة، وربما تعمد إهانتهم أو استفزازهم، ليتلقى ردودهم الغاضبة، ليعطي صورة ناجحة للمسلسل على أنه مؤثر وأثار ضجة.ومع الأسف، فإن إثارة «الضجة» حتى وإن كانت سخطا أصبحت تقدم على أنها نجاح للمنتجات الإعلامية العصرية. وتلك رؤية مريضة ومراهقة وغير مهنية وغير كريمة.٭ وترالحجازيون.. بهجة التاريخ وعناقه..وشمس الشاهقات، وسمو المنابر..وآيات الله..لكم في المهجة قبس من ضياء الخلد..وقرنفلة وديان السروات..وذرى النائفات..إذ تعد السجايا..ويمتزج عطر الأماكنوكريمات الغيوث الهاطلة.