د. مبارك الخالدي

شعب يقرر مصير وطنه!!

الخميس مساءً، وسط اكسبريدج، لندن، المدى مظلات بأقطار مختلفة متعددة، ورؤوس حاسرة مكشوفة تفر بها الاقدام مهرولة إلى ما قد يفلح في صد رشق المطر القوي عنها. تتراص الأجسام، تتزاحم أمام المحال التجارية في انتظار أن يتوقف أو يخف المطر القوي المنهمر بلاهوادة. لا يبدو أنه سيتوقف عاجلاً، وقد يطول الانتظار.أمام أحد المحال تنتصب طاولتان متساويتان في الارتفاع والحجم، يغطي سطح كل منهما ملصقات ومطويات بمقاييس مختلفة. منظر مألوف، ألفه الناس واعتادوا عليه، يتكرر في أمكنة ومواقع لا تحصى في لندن، إنهما طاولتا المعسكرين المنخرطين في تنافس محموم وشرس على كسب تأييد أكبر عدد ممكن من المواطنين ليتحقق لكل منهما الفوز في الاستفتاء حول بقاء أو خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي.طاولتان لا تسمح المسافة بينهما بمرور ثلاثة أو اربعة اشخاص بدون ان تحتك أكتافهم ببعضها البعض، يقف إليهما أشخاص تطوعوا لمهمة توزيع الملصقات والمطويات التي تحمل الشعارات وعبارات التشجيع على التصويت، أو التي تشرح المنافع التي ستجنيها البلاد من البقاء أو الخروج من الاتحاد. كل ذلك يحدث بهدوء ورضا وصبر في يوم غير عادي.يشد انتباهك المنظر المنقوع بماء المطر، تثير الفكرة العظيمة وراءه أشياء في نفسك لا تستطيع اللغة الإمساك بها، ووصفها والتعبير عنها، ولكنها تحدث آثاراً جميلة في نفسك. تمتد يدك الى جهاز هاتفك المحمول، لترمي بكاميرته الطاولتين والناس حولهما. يمد إليك أحد الواقفين أمام إحدى الطاولتين ملصقاً صغيراً يقول بلسان من يلصقه على صدره إنه في الداخل، وتستدير نحو الطاولة الأخرى، لقطة، لقطتان، فيدعو أحد المشرفين عليها أن تأخذ ما تريد من الملصقات والمطويات الموزعة على مساحة سطحها. هذه طاولة معسكر الخروج من الاتحاد الاوربي. اليوم الخميس، يوم الاستفتاء الذي سيقرر به البريطانيون استمرار أو نهاية وجود بلادهم في الاتحاد. وغداً الجمعة الذي ستعلن فيه النتائج ويتحدد مصير البلاد، وانتصار أحد المعسكرين وخسارة الآخر. وانتصار الديمقراطية في المقام الأول والأخير. لا يهمك وأنت الغريب ذو الوجود الطارئ العابر في البلاد إن انتصر هذا المعسكر أو ذاك، إن بقيت بريطانيا في الاتحاد أو خرجت منه باختيار شعبها. لكن لا تستطيع محو النشوة في داخلك، أو أن تخمد الرغبة في متابعة مجريات الاستفتاء منذ أن وصلت الى البلاد. أخفقت بجدارة منقطعة النظير في أن تدير ظهرك الى ما يجري حولك، أخفقت في أن تغمض عينيك وتصم أذنيك عمّا يقال ويكتب في التلفاز والصحافة وفي أحاديث الناس، أو في أن تهتبل فرص التحدث مع البعض عن هذا الحدث التاريخي الكبير. لاشيء يضاهي جمالا وروعة أن يقرر شعب مصير بلاده، مصير نفسه، وأن يكون شريكا في رسم خريطة الطريق الى المستقبل. هذا ما كان يحدث يوم الاستفتاء والبريطانيون يتوجهون في يوم مكفهر الجو الى صناديق الاقتراع ليدلوا بأصواتهم، ليقرروا المصير التاريخي الكبير. وهذا ما حدث يوم الجمعة، يوم الخروج الكبير من الاتحاد. عدَّهُ معسكرُ الخروج يوم الاستقلال، وعددته أنت يوم انتصار الديمقراطية، مع أنك كنت تود لو انتصر المعسكر الآخر لسبب غامض لم تستطع وضع إصبعك عليه!