حصان طروادة الإلكتروني
لم يعد المثل القائل «بيت الرجل قلعته» حكرا على الانجليز وحدهم، فنحن في زمن الأبواب الموصدة والكاميرات. قبل عقود كانت أبواب البيوت مشرعة. كانت الحياة أقل تعقيدا. تغير نمط الحياة فصارت البيوت أعتى من طروادة، تلك القلعة الحصينة التي اقتضى التسلل إليها صنع حصانٍ خشبي اختبأ في جوفه جنود إسبارطيون لفتح البوابة العتيدة. في زماننا هذا، هنالك حصان آخر أصغر كثيرا من ذلك الحصان الخشبي التاريخي يتسلل منه القريب والبعيد إلى خلواتنا. ذلك هو الهاتف. قديما كان يتم التسلل عبر مكالمة هاتفية كما هي الحال في «ركلة الترجيح» التالية: «كم ثقيلٍ أَقضَّ في الليل نومي/ كامناً لي في رنّـةِ التلفـونِ/ قال: من ذا معي فقلتُ: فلانٌ/ قال: «سَوْرِي» وأغلقَ الخطَّ دوني/ فَتَـقَـلَّبتُ في فراشيَ لمَّـا/ طَلَّقَ النـومُ بالثلاثِ جفوني». هذا في زمن الهاتف الثابت. وكان ذلك خطئي وليس خطأ المتصل، فقد كان علي أن أضع جهاز الهاتف على الصامت. اختلفت الأمور في زمن الهواتف الذكية المحمولة. تطورت وتعددت وظائف هذا الجهاز الصغير. لم تعد المكالمات وحدها التي تتسلل إلى قلاعنا الحصينة. يتدفق، حاليا، سيل جارف من الأشياء غير المطلوبة إلى عالمنا الخاص. خذ، على سبيل المثال، رسائل الإعلانات التجارية التي تضطر إلى حذفها أو «كنسها» بين حين وآخر. رسالة تسوق الكافيار الماسيّ والكيك المطليّ بالذهب، وأخرى تعلن عن «فِلل» للبيع في الريفيرا الفرنسية أو الإيطالية. لا يدري المرسل أن المرسل إليه هو أحد كبار الصعاليك، وأن سيارته مسحوبة لعدم تسديد قسط الإيجار المنتهي بالتمليك.دعنا من الإعلانات التي على تلك الشاكلة. ففي عصر الواتساب عليك أن «تكنس» من حين إلى آخر الرسائل التي هي في حكم «سَقَط المتاع». ولعل اندفاع البدايات، ودهشة الاكتشاف هو ما يغذي ذلك السيل الجارف من الرسائل. هل أستعرض نماذج منها؟ سيكون ذلك مفيدا. هنالك، على سبيل المثال، من يبعث لك وبشكل يومي رسائل بمضامين تناقض القيم التي تؤمن بها. وهنالك رسائل تصلك من جمعية أو مؤسسة ما تطلعك على برامجها ونشاطاتها التي ليست ضمن دائرة اهتماماتك. وهي لا تكتفي بذلك بل تدعوك لدعم تلك النشاطات. القائمة تطول، وقد تقترح قائلا: «احظرها» block it.. لا فائدة، يا صديقي، فبعضها «محصّن» ضد الحظر. لأنها لا تأتي على شكل أرقام، أو هكذا يبدو لي حتى الآن. قد توجد طريقة لحظرها لم أكتشفها بعد.ومن «سَقَط المتاع» الذي يتسلل عبر الحصان الإلكتروني الجديد. الصور والفيديوهات ومقاطع اليوتيوب التي يظن مرسلها أنه يحسن صنعا بتعميمها، سواء عبر مجموعة واتساب أو بشكل فردي. لست أشك أن هنالك من يرى أنها منتهى الإبداع، وغاية في المؤانسة والإمتاع. ولولا اختلاف الأذواق لكسدت السلع، ولولا اختلافها لما قال الشاعر: «لكل ساقطة في الحي لاقطة»، ولما قال آخر: «وللناس في ما يعشقون مذاهب». ولا أشك كذلك أن غاية المرسل نبيلة، ونيته حسنة، وهدفه مد جسور التواصل. إلا أنه لا يدرك أن ما يعجب هذا قد يضايق ذاك. ولو كان على دراية بنمط تفكير المرسل إليه وغاياته لأراح واستراح. وهذا هو الفرق بين هذا النمط من التواصل وتواصل أصحاب الأمزجة المتقاربة، والاهتمامات المشتركة. وإذا استثنيت المنغصات المتمثلة في تلك «الآثار الجانبية» التي لابد منها، فقد جعلت وسائل الاتصال الحديثة الحياةَ أسهل وأسرع وأجمل. إلا أنه نادرا ما توجد وجبة مجانية.