هيئة الأمم بين اتهام المملكة والاعتراف بإنسانياتها
في مطلع أكتوبر 2013م لم تكن المملكة على خلاف من أي نوع مع هيئة الأمم المتحدة على المستوى الثنائي، لكنها لم تتردد حينما اكتشفت الاعوجاج في نظام المنظمة الدولية في أن تتخذ موقفا حاسما من أدائها، وفشلها في تحقيق السلام العالمي، وقد تمثل ذلك الموقف في امتناع وزير الخارجية آنذاك صاحب السمو الملكي الأمير الراحل سعود الفيصل- رحمه الله- عن إلقاء كلمة المملكة أمام الجمعية العامة، وعدم توزيعها على الأعضاء خلافا للمألوف، احتجاجا على تخاذل المنظمة تجاه قضيتي فلسطين وسوريا، وعجزها عن التصدي لهيمنة مصالح بعض المتنفذين، وهو الموقف الذي لقي أصداء واسعة وترحيبا دوليا منقطع النظير اتساقا مع الرؤية السعودية، وفي الثامن عشر من الشهر نفسه رفضت المملكة مجددا قبول العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن للسبب ذاته، إلى أن يتم إصلاح المجلس ونظام أدائه، وتمكينه من أداء واجباته ومسؤولياته بعدالة بعيدا عن ازدواجية المعايير، أو اختطاف قراراته لمصالح البعض على حساب البعض الآخر، وكان أن حظيت المملكة في المقابل بتقدير معظم دول العالم الذي عبّر الموقف السعودي عما تشعر به تلك الأمم من الغبن في ظل الآليات الأممية القائمة، وقد جاء هذا التقدير على هيئة حشد عارم تمثل في ترشيحها بعد شهر واحد من ذلك الموقف لعضوية مجلس حقوق الإنسان بفوزها بـ 140 صوتا من أصل 193 صوتا. الأمين العام للأمم المتحدة، وبعد أن سحب الاتهام الظالم والباطل للمملكة ودول التحالف من قبل المنظمة الأممية والمبني على بعض التلفيقات، برر عودته عن الخطأ بتعرضه لضغوطات سعودية بقطع المعونات الانسانية التي تقدمها المملكة لهيئة الأمم ومؤسساتها، ورغم أن المملكة فندت ذلك الادعاء على لسان مندوبها الدائم بأنها لم تمارس أي ضغط في هذا الاتجاه، وأن مثل هذا الأسلوب ليس من أدبيات السياسة السعودية التي لا يمكن أن تساوم أبدا على القضايا الإنسانية لا من قريب ولا من بعيد، إلا أن معاليه بدأ كما لو كان يُغالط نفسه بنفسه، عندما أفزعه سؤال المملكة عن مصادر قرار الإدانة وثبوتياته، لأنه خشي أن يلقي ذلك السؤال بظلاله على المعونات الإنسانية السعودية، والتي يعرف معالي الأمين أن المنظمة لن يكون بوسعها أن تقوم بواجباتها دونها قياسا بحجمها الضخم، متناسيا أن البلد الذي يملك كل هذا السخاء الإنساني الذي تكاد تعتمد عليه هيئة الأمم، ويذهب على مدار الساعة إلى كل مكان، حتى إلى تلك الدول التي تتعرض للكوارث دون أن يكون للمملكة أي تمثيل دبلوماسي فيها، البلد الذي يقدم الانسانيات بلا حدود لكافة الأماكن المنكوبة، لا يستقيم أن يكون سجله الإنساني بكل هذا البياض، وهذا الحجم الفريد، ليقتل أطفال جواره، البلد الذي يبعث قوافل الإغاثة لحاضنة خصومه الحوثيين الذين يحاربونه في صعدة، لا يمكن أن يمارس أي عمل لا إنساني، لذلك كان على المنظمة أن تستقي معلوماتها من جهات محايدة حتى لا تقع في مثل هذا الخطأ، وتتورط في مثل هذا التبرير الذي يُسقطه سجل المملكة الناصع وأياديها البيضاء التي طالما امتدت بمنتهى الشهامة والإنسانية لتأسو جراح الآخرين بعيدا عن أي اعتبار، عدا الاعتبار الإنساني النابع من ضميرها الحي الذي لا يتثاءب.