سيدي الوقت.. إنما يحترمك الناجحون
ما زال كثيرون يتعاملون مع الوقت وكأنهم يملكون منه رصيدا كبيرا غير قابل للنضوب، وهم يعلمون أن آجالهم محدودة، لأن (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وهذا أمر يدركه الجميع، ومع ذلك فهم لا يستغلون رصيدهم من الوقت فيما ينفعهم وينفع غيرهم من البشر، فهناك من يتسرب الوقت منهم، كما يتسرب الماء من كفوفهم، ومع ذلك هم في غفلة مما يمكن أن يعنيه الوقت إذا استثمر في المفيد، واستغل في العمل المفيد، فاللحظات التي تمضي لا يملك أحد القدرة على استعادتها، فهي محسومة من رصيده في بنك الحياة. والناجحون هم الذين يحرصون على عدم تأجيل عمل اليوم إلى الغد، حتى لا تتراكم الأعمال مع مضي الوقت، إلى أن ينتهي الأمر بالندم حين لا ينفع الندم. وإذا كان الماء هو سبب الحياة، فإن الوقت هو وسيلتها، أو وعاؤها الذي تجري فيه أحداثها رخية وهانئة، أو صعبة وقاسية، أو بين بين، فالوقت محكوم بميزان لا يتأخر ولا يتقدم، لأنه ماض في دورته المحدودة مضي السيف الحاد على الرقاب، لا توقفه الحوادث، ولا تعرقل مسيرته الأسباب، وما من إرادة غير إرادة الله يمكن أن تنهيه، وسواء كان هذا المضي وئيدا ورغيدا على السعداء، أو ثقيلا ومرهقا على الكسالى والمتهاونين، فهو في الحالتين ماض دون توقف منذ الأزل وإلى الأبد، رحلة متواصلة في قطار الحياة، ومن يفته اللحاق بهذه الرحلة، فإنه يبقى في محطة الانتظار، لتفوته أشياء وأشياء، يحتاج تحقيقها مزيدا من الوقت، ومن أين يأتي هذا المزيد من الوقت ما دامت الأعمار محدودة؟ إنه يعني استهلاك المزيد من رصيده الزمني المحدود، وكثيرا ما نتكلم كلاما جادا ومثمرا عن الماء وأهمية ترشيده والمحافظة عليه، وهو حديث في محله، لأن الماء من حيث الأهمية للإنسان يحتل المركز الأول دون منازع، لكن الوقت رغم أهميته لا ينال نصيبا وافرا من الاهتمام، مع أنه لا يقل أهمية عن الماء، لذلك علينا أن نتحدث عن الوقت بالدرجة نفسها من الجدية التي نتحدث بها عن الماء، وإذا كان فقد الماء يعني الموت الأبدي، فإن فقد الوقت يعني الموت المؤقت، بمعنى أن الوقت غير المستثمر هو وقت ضائع من عمر الإنسان، حيث يعتبر الإنسان فيه شبه ميت، لضياع فرصته بأن يستغل هذا الوقت فيما يحسب له من العمل، والوقت الضائع هو عمر ضائع، فاليوم الذي يمر بالإنسان ولا ينجز فيه عملا هو يوم لا يحتسب من عمره العملي، وإن احتسب من عمره الزمني، لذلك قال شاعرهم: إذا مر بي يوم ولم أتخذ يدا ولم أكتسب علما فما ذاك من عمري ولا سبيل للاستفادة من الوقت إلا بشغله بكل عمل مثمر، تماما كالماء لا يستفاد من وجوده إلا باستعماله في شتى شئون الحياة، وإلا سيظل في مجراه إلى حيث تريد له الإرادة الربانية. وعندما نتعامل مع الوقت، كما نتعامل مع الماء في الحرص والترشيد وعدم الإهمال، سيكون الحال غير الحال، ونحن نتذكر دوما أن الوقت ثروة ناضبة بالنسبة لكل إنسان بمفرده، تماما كما هو الماء بالنسبة لجميع الناس والأحياء قاطبة. استثمار الوقت في العمل المثمر، يشبه إلى حد ما استثمار الماء لضمان الحياة، مما يعني حسن التدبير، وحسن التصرف، بل وحسن التخطيط أيضا، لأن الهدر في الحالتين هو هدر للحياة بطريقة أو بأخرى، ولا شك أن من يقدم على هذا الهدر هو إنسان يحتاج إلى إعادة النظر في أمور حياته، وعلاقته مع نفسه ومع من حوله، بل ومع الحياة بصفة عامة. فهل نحن بحاجة إلى حملة وطنية تدعو لتنظيم الوقت والاستفادة منه قدر الإمكان، في العمل الجاد المثمر، وفي الإنتاج والتفوق والتميز؟. إن سر نجاح الشعوب، هو التعامل مع الوقت بما يستحقه من الاهتمام، بقي القول: علينا أن نتذكر أن الوقت أداة مرنة لمن يحاول الاستفادة منه، لكنه أداة مفسدة لمن يهمله ولا يعي أهميته، أو يتجاهل هذه الأهمية.